كُتب في
أحرف

أكره اللقاء بالصدفة!

ملخص المكتوب: أكره لقاء الآخرين عن طريق الصدفة

أكره اللقاء بالصدفة! صورة

مؤخراً، أصبحت أشعر بثقل الالتقاء صدفة بالناس الذين أعرفهم (وليس الأصدقاء)، إن كان في المركز التجاري (المول)، في المطعم، في الحانة، أم في أي مكان عام.

أنزعج لأنّ هذا يعني أن أتوقف وأقوم بمحادثة أنا غير جاهز للقيام بها مع شخص غير جاهز للالتقاء به في هذه اللحظة لأنّي لم اتحضّر نفسيّاً لذلك قبل خروجي من المنزل. هذه المحادثة تكون عادة عن مواضيع عامة جداً، ولا تتضمن أي جانب شخصي وخاص. ومدتها تتراوح عادة ما بين الدقيقة والثلاث دقائق. هذه الدقائق المعدودة هي من الدقائق الأطول في حياتي، والتي أشعر بأنها بلا نهاية. أحياناً، اتمنى أن يعود بي الزمن إلى لحظة ما قبل هذا اللقاء، أو أن يحدث شيء ما يغيّر مجرى الأمور كلها، وأحياناً اندم على قرار نهوضي عن الكنبة ومغادرة المنزل. وهذا ما جعلني أفهم أكثر أكثر المثل الذي يقول “يا أرض انشقي وابلعيني”.

في هذه المحادثة اؤكد على أنّي وعائلتي بخير، وبأنّي مازلت في عملي، وطبعاً تتضمن المحادثة الشرح لهذا الشخص سبب عدم اللقاء به، مثل الإنشغال في العمل، وتنتهي بعبارة “خلينا نشوفك”، وطبعاً لن أرى هذا الشخص حتى المصادفة القادمة التي قد تحدث بعد شهر أم سنة، خصوصاً وأنّ أغلب الأحيان لا يكون لدي رقم هاتف هذا الشخص أو بريده الألكتروني او اية طريقة للإتصال بيني وبينه.

من مساوىء هذه المحادثة، عدا عن الكليشيهات المليئة بها، هو أنّه عليّ بذل الجهد لأخذ وضعيّة المحادثة الجانبيّة، وأن اسأل الشخص المقابل عن احواله، عائلته وعمله، والتظاهر بأنّي أكترث له، بينما في الواقع كل ما أريده في تلك اللحظة هو أن يختفي عن ناظري للأبد.

وعليه، أصبحت كلما رأيت شخص ما أعرفه في مكان عام، أعمل جاهداً على تفادي الالتقاء به، إذ أنظر في كل الاتجاهات ما عدا الاتجاه الذي يقف فيه، وذلك كي لا يحدث “التواصل بالعين”، لأنّ ذلك يعني أنّ المحادثة القصيرة أصبحت الزاميّة، ولا مفر منها.

ولكنّ أكثر الذين أحبّهم هُم هؤلاء الذين عندما أراهم من بعيد اتظاهر بأنّي لم اراهم، وهُم أيضاً يؤدون الدور ذاته بالتظاهر بعدم رؤتي. يُكملون سيرهم وكأنّ شيئاً لم يكون، وأكمل طريقي وكأنّ شيئاً لم يحدث. هو تواطىء مشترك بيني وبينهم. أعتقد بانّ هؤلاء يفهمون كثيراً الوجود البشري، دوافعه السيكولوجيّة، ورغباته الباطنيّة في العيش بسلام دون المفاجآت الإجتماعيّة التي لا طائلة منها سوى إضاعة الوقت والطاقة.

قد يقول البعض بأنّ هذه المحادثة لن تضر أحد وليست بالمسألة الكبيرة، ولكنّ في الواقع، ما يحدث خلال هذا اللقاء العابر هو أنّ الشخصين يخرجان من عالمهما المنفصلين، ليُشكلا عالماً آخراً، مملاً وميتاً، يتشاركاه لبضعة دقائق، قبل أن يعود كل واحد منهما إلى عالمه المنفصل. وبعد ذهاب هذا الشخص في حال سبيله، يتلاشى الثقل، وتعود الخفّة إلى روحي، وأعود إلى عالمي حيث لا صدف اجتماعيّة تغيّر من ملامحه.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X