كُتب في
أحرف

الزومبيز والهواتف الذكية: وهم التواصل

ملخص المكتوب: آثار الهواتف الذكية على حياتنا

الزومبيز والهواتف الذكية: وهم التواصل صورة

منذ اليوم، قررت بأنّي لن اتواصل مع هؤلاء الذين يرتدون الآلة التكنولوجية الحديثة “غوغل غلاس” (نظارات غوغل)، بغض النظر عما إذا تم تأجيل وضعه في السوق لسنوات عديدة أم سيوضع قيد الاستخدام فوراً. هذا ليس إطلاق عشوائي للأحكام، بغض النظر عن الذين يريدون ارتدائه والفوائد الإيجابيّة التي سيأتي بها هذا الجهاز الذي سمعنا عنه كثيراً، وعن التغيير الذي سيأتي به إلى حياتنا اليوميّة.

قد يعتبرني البعض بأنّي مجرد إنسان كاره للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة. وهذا أمر صحيح. في السابق، كنت أخاف من هذا الوصف، وكنت أحاول التخفيف من حدّة موقفي، أقله علنيّاً، من التكنولوجيا، ولكنّ بعد التطورات التي طرأت على مجال الهواتف الذكية، واستخداماتها غير المنحصرة، ودخولها إلى الحيّز الاجتماعي كأداة ضروريّة من أجل العيش، أصبح موقفي أكثر حديّة تجاهه.

عزيزي القارىء(ة)، أنت على الأقل لديك صديق(ة) أو أثنين يُبقون على استخدام هاتفهم الذكي حتى عندما تجلس معهم. تجلس مع هؤلاء وهُم مأخوذون بالشاشة الصغيرة. يتواصلون مع أناس آخرين. يلعبون بعض الألعاب. يتصفحون عدد اللايكات التي جمعوها من خلال ستاتوس فايسبوكي أم تغريدة تويتريّة. يقرأون آخر الأخبار العاجلة القادمة من أي مكان في العالم. يقرأون نكتة من هنا، ويشترون أغراض أخرى ليسوا بحاجة إليها. إذا لم يكن لديك أصدقاء من هؤلاء، فاحتمال كبير أن تكون أنت الذي يستخدم هاتفه الذكي خلال تواجده مع أناس آخرين.

mobile

مؤخراً، بدأت أنزعج فعلياً من تلك الكائنات التي أصبحت تحمل الكثير من ملامح الزومبيز. وأنا أكره الزومبيز. ما يُميّز هؤلاء عن الزومبيز هو أنّ الزومبيز يستشعرون بوجود البشر كي ينقضوا عليهم، بينما الناس الذين يستخدمون الهواتف الذكية معظم ساعات النهار والليل فُهم لا يستشعرون بوجود الكائنات البشريّة الأخرى حولهم. كم من مرّة ارتطم بك أحدهم في الشارع أم المركز التجاري لأنّه لم يكن ينظر أمامه وكان مشغول بهاتفه الذكي؟ كم من مرّة تحدثت إلى أحدهم واضطررت إعادة الفكرة أكثر من مرّة كونه تفقّد هاتفه أثناء حديثك معه؟

هذه الأحداث تحصل معنا أكثر من مرّة خلال اليوم الواحد. ولأنّنا نسينا كيف كانت الحياة قبل تلك الآلات، لم نعد قادرين على قراءة الفروقات التي أحدثتها على حياتنا، وتأثيرها على انتباهنا، وعينا وتواصلنا مع بعضنا البعض.

أما أكثر ما يُثير السخرية هو هؤلاء الذين عندما تجلس معهم ويكونوا مشغولون بهواتفهم، وتسألهم “بماذا مشغول؟”، ويردون “أقوم بمحادثة بعض الأصدقاء”. المفارقة هي أنّ هؤلاء ليسوا موجودون معك هنا، وليسوا موجودون مع الناس الذين يُحادثونهم من خلال الشاشة. هكذا، فإنّ هؤلاء موجودون في اللامكان، في فضاء افتراضي، يعيشون وهم التواصل، بينما هُم منفصلون عن الواقع، ومُحاطون بفقاعة الكترونيّة.

منذ عام تقريباً، تعرّفت على مفهوم الـ”غوغل غلاس” من خلال مؤتمر شاركت به أثناء عملي. عندما عرضوا خصائص هذا الاختراع الجديد انتابني بعض من الخوف. ولكنّي لم أخف على نفسي إذ أنّي منذ وقت طويل أخذت قرار ألا أدخل هذه التكنولوجيا على حياتي. وقد تخيّلت كيف ستكون حياة الناس من حولي عندما يرتدون هذه النظارات. يبدو هؤلاء وكأنهم آتون من فيلم يتحدث عن مستقبل متطور جداً.

الذين يُريدون أن يرتدوا الـ”غوغل غلاس” هذا شأنهم طبعاً. وأنا لديّ حريّة اختيار الذين أريد التفاعل معهم، ومستخدمو هذه التقنيّة ليسوا من بينهم.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X