كُتب في
أحرف

الضحك في عالم ينهار

ملخص المكتوب: أداة مقاومة ضد الحضارة

الضحك في عالم ينهار صورة

 

"ما المضحك؟"، سألت رفيقي الألماني.

"كل شيء"، رد عليّ.

***

الضحك هو أحد أدوات البقاء على قيد الحياة. الحضارة الرأسمالية لا تحب الضحك كثيراً، إلا إذا كان يخدم استمراريتها.

الشركات، على سبيل المثال، تفضّل الموظف الجاد والطموح مقابل الموظف الذي لديه حس ساخر. لذا في مقابلات العمل دائماً ما يرتدي الشخص الساعي للحصول على وظيفة ملابس رسمية (بدلة وربطة عنق) أم شبه رسمية (قميص وبنطال رسمي) لمقابلة مسؤول شؤون الموظفين (HR) ومدير الشركة.

في تلك المقابلة، يُظهر الشخص كل جديّته في الحصول على الوظيفة وقدرته على التفاني بها والنجاح. قد يقترح البعض إطلاق نكتة خلال المقابلة جيّد لأن الناس عموماً تحب الأشخاص المرحين، ولكن هذا ليس معياراً للتوظيف.

هناك سؤال يطرحه المدراء أثناء المقابلات، وهذا السؤال يهدف لمعرفة مدى جديّة الشخص الساعي للوظيفة: "أين ترى نفسك بعد خمسة سنوات من اليوم؟"

الجواب المثالي هو "مكانك"، أي مكان المدير. الشركات تحب أصحاب الطموح والجديّة، لأن هؤلاء وحدهم يبقون الشركات على قيد الحياة، تستمر وتتوسع لآخر قرية على الكوكب الذي يزداد بؤساً مع هذا التوسع اللامتناهي.

خلال حياتي، قمت بالكثير من مقابلات العمل. ودائماً ما كنت أواجه صعوبات في الإجابة على هذا السؤال، لأني لم يكن لدي طموح للارتقاء في السلم الوظيفي. منذ ثلاث سنوات، عندما سألني أحد المدراء أين أرى نفسي بعد خمسة سنوات، في رأسي أجبت "سأكون مسترخ في مكان ما بآسيا، وعلى الأرجح في النيبال، البلاد التي أحب وأزورها منذ 2014". ذلك كان طموحي الحقيقي. اليوم أكتب هذه السطور من على ضفة إحدى البحيرات في النيبال. وطبعاً، لم أحصل على الوظيفة.

أماكن العمل تفضّل الجديّة على الضحك والسخرية. أذكر أن العديد من المدراء كانوا يوجهون لي ملاحظات أثناء تقييمي السنوي في العمل بأني كثير المزاح ولا أحمل الأمور على محمل الجد. الشركات تريد الجديّة منّا، لأن الضحك لا يناسبها إلا إذا كان يخدم مصالحها.

يقوم مدراء العمل بين الحين والآخر، إطلاق نكات تكون غير مضحكة، ولكن الموظفين يضطرون للضحك لأنّ ذلك سيزيد من نقاطهم في دينامية العلاقة مع مديرهم. تلك النكات السمجة التي يطلقها المدراء تساعد في انحدار السخرية والكوميديا وتزيد من تشوهها، ولكن من سيوقف المدراء؟

***

السلطة أيضاً لا تحب الضحك ولا تريدنا حتى أن نضحك، وهذا ما يُفسّر مفهوم الصورة الشمسية التي تطلبها السلطات من أجل بطاقة الهوية وجواز السفر. في الصورة، يجب أن يكون الشخص متجهّم الملامح، وغير مبتسم حتى.

حتى أثناء التحقيقات الأمنيّة التي تقوم بها أجهزة الأمن حول العالم، أكثر ما يغيظها ويطلق عنانها لتعذيب السجين هو عندما يقوم السجين بالضحك بدل الإجابة على سؤال المحقق، لأن الضحك، في تلك الحالة، يعني عدم سيطرة المحقق على الوضع وعلى نفسيّة المعتقل/ السجين. الكثير من المعتقلين لدى أجهزة الأمن حول العالم يتحدثون عن حالات التعذيب التي تعرضوا لها بعد الرد بالضحك على أسئلة المحقق. هنا، الضحك أداة مقاومة مباشرة ضد السلطة.

من الحوادث الشخصية التي أذكرها، عندما كنت قمت مع عدد من الأصدقاء في لبنان بزيارة صديق في دمشق عام 2009. وقفنا أمام مركز لشرطة النظام السوري دون أن نلاحظ بأنه مركز لهم. كنا نضحك بصوت عال. حينها، خرج أحد عناصر الشرطة حاملاً رشاشه ومرتدياً لخوذته. صرخ بصوت عال وقال "ليش عم تضحك ولاك؟". الدكتاتوريات، بكل أنواعها، لا تحب الضحك أيضاً. وهذا ما يُفسّر استخدام الشعوب للسخرية والضحك ضد أنظمتها لنزع القدسيّة عن الدكتاتور ونظامه.

قامت بعض الأنظمة العربية منذ السبعينيات والثمانينيات، بهندسة ما يمكن اعتباره "كوميديا النظام" عبر دعم ممثلين كوميديين ومنهحم هامش من "الحريّة" لانتقادها، مثل حالة دريد لحام في سوريا وعادل الإمام في مصر. هذا النوع من الكوميديا استخدمته تلك الأنظمة للتنفيس الإجتماعي ولإظهار نفسها بأنها لديها هامش من الحرية والنقد ولكن هذا النوع من الكوميديا انتهى مع ظهور "كوميديا الشارع" مع بدء الانتفاضات الشعبية عام 2010. وقد تعتبر التجربة الحمصيّة في الأشهر السبعة الأولى لاندلاع الإنتفاضة السوريّة واستخدامها للضحك ضد النظام من أهم هذه التجارب.

***

الضحك أيضاً هو أداة لنزع هيبة المعتقدات الإبراهيمية. الأديان لا تحب مطلقي النكات وعشاق الضحك، كما أن صورة إله الأديان الإبراهيمية هي صورة شخص عابس يكره الكثير من الأشياء، بينها الضحك والموسيقى والفنون.

الضحك على رموز الأديان الإبراهيمية وأساطيرها المتخيّلة يُضعف صورتها أمام المؤمنين بها والآخرين، وهي ستحاول بكل الطرق وقف أي عمل ساخر تجاهها.

أبرز مثال على ذلك، الأحداث التي رافقت قيام رسام كاريكاتور دنمركي برسم رسول المسلمين عام 2005. المسلمون اعتبروا أن هذه الرسوم مسيئة لرسولهم ولا تمثل "الدين الحقيقي".

هذا ما دفع الملايين من المسلمين للخروج في مظاهرات احتجاجية رفضاً للرسوم الكاريكاتورية. حينها، تم مهاجمة بعثات دبلوماسية وسفارات دنمركية وأوروبية في مختلف أنحاء العالم، إضافة إلى مهاجمة كنائس. هذه الهجمات أدت إلى مقتل  أكثر من 200 شخص. كما تعرّض رسام الكاريكاتور إلى عدة محاولات اغتيال على يد إسلاميين.

بعد نحو عشرة سنوات من تلك الأحداث، صعد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق حيث قام بعمليات تهجير وقتل في سوريا والعراق إضافة إلى عمليات إرهابية في مناطق متفرقة في العالم. المسلمون قالوا بأن هذا التنظيم لا يمثل "الدين الحقيقي"، ولكن لم تخرج سوى مظاهرات احتجاجية خجولة رفضاً لممارساته. في هذه الحالة، السخرية عرّت الانفصام والازدواجية في الوعي الجماعي لدى المسلمين حول العالم.

***

كل المؤسسات حولنا والتي تحكم حياتنا من شركات عابرة للقارات، سلطات سياسية وأمنيّة وعسكرية، ومؤسسات دينية هي مؤسسات مناهضة للضحك والمرح. نحن نعيش في عالم مقلوب رأساً على عقب.

هذا ما يجعل الضحك أداة من أدوات الاستمرار على قيد الحياة واكتشافها من زوايا مختلفة. الضحك يمنح الروح بعض من الخفّة في زمن ثقيل بكل ما يحمل.

الضحك يجعل الحياة أكثر سلاسة ويحولها مكان للمتعة والسعادة. ما يجري حولنا لا يدعو للضحك، وفي الآن عينه، كل شيء يدعو للضحك.

الضحك مجاني وفي متناولنا أينما كنا. هو من الأشياء التي تبقيني حياً في عالم يذوب وينهار.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X