كُتب في
أحرف

انهيار العالم القديم: ماذا يعني ذلك؟

ملخص المكتوب: جاهزون للقادم؟

انهيار العالم القديم: ماذا يعني ذلك؟ صورة

العالم القديم ينهار. كل يوم نستيقظ، لنكتشف أن عملية انهياره لا تتوقف. في الواقع، لا أحد يمكنه وقف ما يحصل. 

المكان الفيزيائي لا يحتمل سوى عالم واحد. العالم الجديد يتشكل وهو سيأخذ مكان العالم القديم. لا يمكن للعالمين أن يتعايشا في مكان واحد. 

السؤال هو: هل نحن مستعدون للتخلي عن العالم القديم وخلق العالم الجديد؟ 

***

يبدو العالم وكأنه خال من الأحداث. غالبية سكان الأرض محجورون في منازلهم دون أن يحدث الكثير في الحياة. الانهيار الذي يحدث شبه صامت، وكأن أحدهم وضع كاتم الصوت للعالم. لا ضجة ترافق هذا الانهيار. هو انهيار نظيف لحد الآن. الرؤى الدينية وأفلام هوليوود جعلتنا نعتقد أن الانهيار يترافق مع أحداث تتخللها مؤثرات صوتية وبصرية، ولكننا لا نرى شيء ولا نسمع شيء. نقرأ فقط الأرقام والاحصائيات والأخبار السريعة تخبرنا أن العالم الذي نعرفه سنودعه إلى الأبد. طبعاً هذا ليس خبراً ايجابياً لكثيرين، ولكنه خبر جميل لغيرهم حول العالم كانوا بانتظاره منذ زمن بعيد. الأحداث ليست شيء إيجابي أم سلبي. الأحداث هي أحداث، أما وصفها بالإيجابية والسلبية فهي إضافة إنسانية وشخصية لا علاقة لها بالأحداث بحد ذاتها. إضافة وصف للحدث هو أنسنة لها، ومرتبط بطريقة تلقي الحدث والتفاعل معه. 

ورغم أن حياتنا تبدو خالية من الأحداث، فالكثير من الأحداث تحدث ولكن ليس في العالم الخارجي. منذ دخول البشر منازلهم مع بدء انتشار فيروس كورونا ونحن نتعامل مع أحداث تجري في العالم اللامرئي لوجودنا، في العالم الداخلي، في أعماق بعيدة في الروح. 

الحجر المنزلي وضعنا أمام كل الخيارات التي اخذناها خلال الحياة والتي اوصلتنا إلى هذه اللحظة التي نعيشها. ردة الفعل ليست واحدة على الواقع الجديد. كل منا تعامل مع الحدث حسب مقاربته للحياة وعلاقته مع ذاته ومع الكون. 

 

***

عندما نكون بصدد قرار مصيري في الحياة، مثل أن نقوم بمشروع كبير، قد نعلق بدوامة لفترة طويلة، وهذه الدوامة تتلخص بفكرة واحدة: "أنا لست جاهز بعد لهذه الخطوة." عادة ما ترتدي هذه الفكرة قناع المنطق، بينما في الحقيقة هذه الفكرة ترتكز على الخوف. الخوف من مغادرة عالمنا المألوف والذي تربينا فيه. 

مخاوفنا متجذرة فينا وقادرة على ارتداء كل الأقنعة لتمنعنا من خوض رحلتنا في هذا الوجود العظيم. هذا الصراع بأحد أشكاله هو الصراع بين العالم القديم والجديد. 

العالم القديم هو مجموعة من البنى المرئية وغير المرئية. هو كل ما ورثناه من الأجيال السابقة، كل المعتقدات والأيديولوجيات التي تربينا عليها. كل ردود الأفعال التي ورثناها بالجينات من أهلنا. كل العقد النفسية التي وصلت إلينا ولم يتعامل معها أجدادنا. 

العالم القديم هو كل الثقافة السائدة للحضارة التي لا تتوقف عن بيعنا الأوهام وإقناعنا أنه لا يوجد سوى طريقة واحدة لخوض هذا العالم. وهو أيضاً الإيمان أنّ الدول المركزية ستأتي لإنقاذنا من الأزمات التي نعيشها، وأنّ الشركات قادرة على إيجاد حلول طبية وتكنولوجية وبيئية للكوارث التي لا تتوقف. 

العالم القديم هو كل تلك الأوهام التي كبّلت حركتنا. هو مخاوفنا الجماعيّة على شكل مؤسسات، انظمة ومعتقدات.

العالم القديم يتداعى. يترنّح. وما علينا سوى هجرانه وتركه ينهار. التمسك بالعالم القديم لن يجلب سوى الألم للذين يرفضون الواقع الجديد. مغادرة العالم القديم يعني التوقف عن الإيمان بأن هناك من قادم لينقذنا في اللحظة الأخيرة. التخلي عن المعتقدات السائدة، والتوقف عن تكرار ما قام به أجدادنا وأهلنا. هو التصالح مع فكرة التخلي عن السلوكيات القديمة، هو أن نرى أنماط سلوكنا ونتجاوزها، كي لا نكرر أنفسنا، وبالتالي أهلنا واجدادنا. هو تجاوز للأوهام أيضاً.

مغادرة العالم القديم ليست عملية سهلة. هي فعل انقلاب على كل ما تعلمناه خلال هذه الحياة. هي الخروج من ردة الفعل إلى الفعل. الإنتقال من اللاوعي إلى الوعي. 

ترك العالم القديم هو شجاعة ورقص وقتال. هي تصالح مع الحياة كما هي، لا كما أرادت الثقافة السائدة أن نراها. 

ترك العالم القديم هو أيضاً تعامل مع جروحنا العميقة. أن نتقبلها، وأن نفهمها كدرس في الحياة، ولا نتعلّق بها لنكون قادرين على المضي قدماً. هو عملية هدم لكل ما حملناه معنا من موروثات مرئية وخفيّة. 

هو أيضاً التحرر من ذهنية "أنا ضحية" التي تنتشر ضمن مفاهيم الصواب السياسي (political correctness). هذه الذهنية خطيرة بتأثيراتها حيث أن الشخص يعتبر نفسه مجرد "ضحية في الحياة" ويلقي اللوم على "آخرين" قد يكونوا من جنس آخر، لون آخر، دين آخر أو جنسية آخرى. وهُم مسؤولون عن إحباطاته وخيباته في الحياة. هذا لا يعني أن ذلك قد لا يحصل، ولكن النقطة هنا هي أن مفهوم "الضحية" ينطلق من مبدأ أن الإنسان ضعيف وغير قادر على حماية نفسه، وهي لا تشجعه على معرفة ما يختزن في داخله ولا تعطيه الأدوات التي تساعده على التعامل مع الواقع، وتحوله من شخص صاحب إرادة وقوة لمواجهة الصعاب وتجاوزها إلى مجرد "ضحية"، لا قرار له ولا إرادة، لتصبح الأداة الوحيدة في يده عبارة "أنا ضحية" يستخدمها كبطاقة مرور عند كل أزمة يمر بها. 

 

***

الحياة تبدو بلا أحداث. ما نعيشه هو مخاض أيضاً. العالم الجديد يتشكل. مازال جنيناً ونحن لا نعرف جنسه، ولا كيف سيكون شكله. نحن نقفز في المجهول، في الضباب. وهذا أجمل ما في الأمر. 

هذا ليس بالأمر السهل. هذه القفزة تحصل شئنا أم أبينا. كثيرون يريدون التعلق بالعالم القديم، ولكن ذلك سيحولهم لمجرد زومبيز في العالم الجديد. 

ولادة العالم الجديد ستكون مؤلمة. لم تحدث ولادة في التاريخ دون ألم مترافق معها. قد يكون علينا الإستعانة بقدراتنا على تحمّل الألم قريباً. تلك القدرات التي راكمناها من وطأة العالم القديم. 

هذه الولادة ستكون مدوية، ولكن الذين استطاعوا العيش في ظل العالم القديم، سيكونوا قادرين على تحمّل القادم.

ما يحصل هو فرصة لكل من يحملوا رؤى بديلة للعالم، أن يخرجوا من ثباتهم العميق. اللحظة التي انتظروها طويلاً نحن على مقربة منها. الوثنيين والأنركيين والبيئيين المتطرفين وغريبي الأطوار واللامنتمين والتحرريين في هذا العالم هذه لحظتكم لتخرجوا من الزوايا المظلمة لهذا الوجود، لتحملوا النار المتقدة في أرواحكم. هذه النار التي ستنيرون بها طريقكم وطريق غيركم، ولتحرقوا بها ما تبقى من العالم القديم. ربما، هي لحظة لإعادة اكتشاف النار وما تختزنه من أسرار في هذا الوجود. 

نحن ولدنا في قلب العالم القديم، واستطاع أن يسحق جزء من روحنا، وأن يطفىء جزء من النار التي في روحنا. العالم القديم فُرض علينا، ولكن اليوم لدينا الخيار ان نغادره، وأن نتخلص منه على المستوى الخارجي والداخلي، وأن نتحرر منه، وأن نهدمه، وأن نحرقه، وأن نرسله إلى التاريخ. 

ما يحصل حالياً هو فرصة لنا لنبني عالماً يشبهنا، يشبه ما تختزنه الروح. هي فرصة لنلتقي مع من هُم مثلنا في هذا العالم لنخلق عالم يحمل قيمنا ورؤيتنا. أصحاب الرؤى البديلة هذه لحظتهم ليؤسسوا قبائلهم التي تستلهم من حكمة القدماء وتصالحهم مع الكون، وترتكز على تجاوز الإنسان لذاته القديمة. 

العالم الجديد لن يولد من أول محاولة. انهيار العالم القديم هو انهيار يحدث على مستوى خارجي وداخلي. العالم الخارجي ينهار وحده دون تدخلنا حتى، ولكن انهيار العالم الداخلي لا يحدث من تلقاء نفسه. هو خيار بالدرجة الأولى. أن نختار هدم العالم القديم في داخلنا هو خيار يلزمه الكثير من الشجاعة، وهو عملية طويلة ومعقدة. هل نحن جاهزون للتالي؟

 

***

حول النار، وسط الغابة، تلتقي الغربان لتشرب نخب انهيار العالم القديم، وترقص على أنقاضه. تنعتق من كل ما يمثله، وتحتفل بالآلهة القديمة التي لم تغادر هذا العالم. 

الغربان قادرة على المضي بين العوالم المرئية وغير المرئية. الغربان تنتمي لأبعاد متجذرة في هذا الوجود. هي حافظة الأسرار. 

العالم الجديد نشكله لنحيا الحياة التي نريد. القبائل الجديدة ستلتقي. هل بدأت التحضير لإنشاء قبيلتك؟ 

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X