كُتب في
أحرف

رحلة الحج البوذي إلى جبل آدم

ملخص المكتوب: غرباء العالم

رحلة الحج البوذي إلى جبل آدم  صورة

كنت قد قررت أن لا أتحدث إلى أحد في هذا اليوم الذي سيكون طويلاً. اليوم الأخير من عام 2018، ولكن أحياناً يحدث ما لا نتوقعه.

خططت لقضاء ليلة رأس السنة على قمة جبل آدم (Adam’s peak) منذ أشهر طويلة. كان من المفترض أن أصعد الجبل مع أحد الأصدقاء ولكنه لم يتمكن من المجيء.

قمة الجبل يلزمها ما بين أربعة وخمسة ساعات للوصول إليها. تعتبر درباً للحج للبوذيين في سريلنكا، وفي الدول المجاورة، إذ ان المعلم بوذا زار هذا الجبل المقدس قبل نحو 2500 سنة. كنا أن أصحاب المعتقدات الإبراهيمية، من مسيحيين ومسلمين، يعتقدون بأن الجبل موطئ قدم أول إنسان، آدم، حسب اسطورتهم الدينية. 

الباص الذي استقله شبه خال من الركاب. بضعة رجال ونساء يتوزعون المقاعد إضافة إلى مسافرة صينية. في هذه الأثناء، جاءت امرأة مسنة، وجلست على المقعد خلفي وبدأت بالحديث معي. 

شعرها أبيض بالكامل. ملامحها محببة وكأني التقيتها في السابق. التجاعيد التي تغطي كل وجهها تدل على السنوات الطويلة التي عاشتها. عيناها تحمل الكثير من القصص والتعب. يمكن الشعور بخفّة روحها من خلال ابتسامتها غير المتكفلّة والتي من النادر أن تفارق وجهها.

هي برندا، المرأة التي تمتلك نزلاً صغيراً  في قرية مسكيليا، التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن أسفل الجبل حيث يذهب الحجاج.

أخبرتني بأنها صعدت الجبل 91 مرة خلال حياتها، وهو ذات العدد السنوات التي امضتها على الأرض. توفي زوجها منذ 25 عاماً، ومنذ ذلك الحين تهتم هي بكل ما له علاقة بالعائلة. اليوم هي جدّة لعدة أحفاد.

أخبرتني برندا عن المسافرين الذين تستقبلهم في النزل. بعد دقائق، أخرجت من حقيبتها الصغيرة البوم صور. الصور هي بمسافرين التقوا صوراً لها ومعها، وعلى الجانب الخلفي للصور، كتبوا رسائل لها عن أثرها في حياتهم والوقت الذي أمضوه معها في النزل. من بين تلك الصور، صوراً لأولادها وأحفادها.

برندا ممتنّة لكل شيء. يظهر ذلك في طريقة حديثها. هي تنتمي إلى ذلك الجيل الذي لم يُفسد بالكامل. من بين الأشياء التي شاركتني إياها، البطاقات البريدية التي يرسلها لها المسافرين من دول مختلفة، إذ يبقون على التواصل معها بعد عودتهم لأوطانهم.

اخبرتني بعض القصص، منها عبر الكلام، وقصص أخرى عبر السكون والصمت. أخبرتني أن الحياة، التعاطف، والمشاركة.

بعد أن افترقت طرقنا تذكرت شخصيات مختلفة التقيت بها منذ بدأت رحلتي في آسيا. في الواقع، برندا ذكرتني بكل هؤلاء. تذكرت المرأة الستينية، سريتا، التي تمتلك نزلاً صغيراً على ضفة بحيرة "باغناس" في نيپال. تلك المرأة الممتلئة حركة وحياة والتي تجعل المسافرين يشعرون وكأنهم في منزلهم. ذكرتني بالرجل السبعيني الذي شاركني المقعد على ضفة بحيرة "فيوا" في نيپال. ذلك الرجل الذي أخبرني عن كل شيء بيضعة كلمات. ذكرتني بالشباب الليتواني الثلاثيني، نوريس، الذي يخوض الحياة بروح مغامرة ومستكشفة. ذكرتني بالمرأة التيبيتية الثلاثينية، نيما، صانعة المجوهرات، التي حوّلت محلها إلى مساحة يلتقي بها المسافرين في بوكارا في نيپال. ذكرتني بصديقيّ الالمانيين، لوقاس ولوقاس، اللذان خضنا معاً رحلة صعود جبل ماكالو في الهيمالايا. ذكرتني بالراهب السبعيني الذي جلست معه مطولاً في أحد المعابد في كولومبو.

ذكرتني بكثيرين التقيتهم خلال رحلتي، وهي أكبرهم سناً. بعد أن غادرت، دخنت سيجارة وجلست في الغابة نحو ساعتين. عند الحادية عشر، ابدأ بالصعود نحو الجبل.

 

***

بعد أن غادرت الغابة، وقبل صعود الجبل، ذهبت إلى المعبد البوذي حيث جلست 5 ساعات. أمضيتها بين التأمل، القراءة والحديث مع الراهب الوحيد هناك. اسمه دينارد وهو في أواخر العقد الرابع من عمره. يقطن هذا المعبد من 18 سنة. تحدثنا عن البوذية في سريلنكا والهند وعن بعض التعاليم. لاحقاً، دعاني لتناول الفاكهة معه وآخرين في الغرفة الخلفية للمعبد. 

أثناء جلوسي هناك، العشرات من المؤمنين دخلوا المعبد وقدّموا القرابين قبل صعودهم. 

كان الحجاج من مختلف الأعمار. مسنون، رجال، نساء وأطفال. كثيرون يرتدون الملابس البيضاء، ومن بين الصاعدين قلّة من الرهبان، إضافة إلى مسافرين أوروبيين وآسيويين قادمين من الصين واليابان وتايلند. 

على طول الطريق المؤدي للقمة، معابد وأضرحة بوذية وأخرى هندوسية. 

الطريق إلى القمة كانت طويلة. صعدت نحو 9000 درجة. كنت بطيئاً في المشي. وصلت عند الثالثة والنصف صباحاً. ساعتان حتى شروق الشمس.

عند وصولي، رأيت ما لم اتوقعه. أكثر من مئة شخص ينتشرون على القمة. بعضهم يفترشون الأرض، وآخرون يرتّلون بلحن غنائي، وآخرون يتجمعون حول النار. البرد كان حاضراً وكذلك الضباب. كل ذلك يحدث على وقع صوت الاجراس التي يقرعها المؤمنين. النجوم في السماء تضيف بعض من الجاذبية على المكان. الكثير من الألفة بين الناس. نوع جديد من الألفة لم أعرفه في السابق. ورغم البرد، دفء قديم ملأ روحي.

بعد أن أشعلت بعض من البخور، جلست اتأمل كل ما يحدث حولي، في انتظار الشمس.

قد يتساوى الغروب والشروق من الناحية الرمزية والجمالية. أنهما يؤرخان لولادة يوم وموته وفي الوقت عينه لكل منهما جماليته الخاصة، ولكن يبقى شروق الشمس مختلفاً عن غروبها. من أجل مشاهدة الشروق، علينا بذل جهداً خاصاً. إما علينا الاستيقاظ عند أول الفجر أو البقاء مستيقظين طوال الليل، وفي الحالتين، هذا جهد ليس بقليل. بينما الغروب، فهو يحدث عندما تكون أغلبية الناس مستيقظة، ما عدا الذين يحبون القيلولة الطويلة فهُم على الأرجح لن يستمتعوا بالغروب أيضاً.

شروق الشمس من على قمة جبل آدم كانت من أجمل الأشياء التي شاهدتها. اشعةالشمس تتسلل من وراء الأفق الملون. الضوء يرقص في عيوننا ويأخذ مكان العتمة التي عادت إلى سريرها. الدفء يأخذ مكان البرد الذي عاد للكهوف. عندما ظهرت الشمس، صرخة خرجت من أفواه الناس، وكأنهم يشاهدون الشمس لأول مرة في حياتهم، خرقت الصمت الممتد بينهم. 

الحياة كانت خفيفة في تلك اللحظة. لم أكن اريد شيئاً. ما رأيته كان كافياً لأبدأ رحلة نزول الجبل، ومغادرة الجبال نحو الشاطىء. 

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X