كُتب في
أحرف

رحلتي في أوروبا: تكنو، مقابر وحروب!

ملخص المكتوب: في القارة العجوز

رحلتي في أوروبا: تكنو، مقابر وحروب! صورة
صورة رحلتي في أوروبا: تكنو، مقابر وحروب!

لا أعرف كيف مرت الثلاثة أشهر في أوروبا، ولكني أعرف أن الكثير من الأشياء حصلت معي في هذه الرحلة التي زرت خلالها 14 دولة. تعلمت الكثير من الأمور عن الناس والثقافات المختلفة وعن الأماكن وموسيقى التكنو، كما تعلمت بعض الأشياء عن نفسي.

في هذه الرحلة، أستعيد الكثير من الأشياء التي فقدتها في السنوات الماضية، وكأنني كنت بغربة عن نفسي. العيش في مدن الخليج هو ليس غربة، إذ ان بيروت بعيدة نحو أربعة ساعات. هكذا، لسبعة سنوات لم أكن في غربة ولم يكن لدي موطن (home). كنت عالقاً في مكان ما يشبه الثقب الأسود، ويقذفني كل يوم نحو هاوية تشبه الجحيم.

هنا سأسرد بشكل موجز أبرز الأشياء التي قمت بها خلال الرحلة:

- المشي: مشيت خلال 3 أشهر نحو 900 كيلومتر، ونقص وزني نحو كيلو ونصف رغم أنني آكل كل أنواع الأكل وأتناول الآيس كريم كل يوم. خلال هذه الفترة مشيت أكثر بكثير مما مشيت في السنوات السبعة الأخيرة التي أمضيتها جالساً في المكتب أم على كنبتي. أحياناً أمشي لساعات حاملاً حقيبتي التي تزن نحو 9 كيلو، وهذا ما يشعرني ببعض من السعادة.

- بين الباص والباخرة: استخدمت كل وسائل النقل أثناء هذه الرحلة. ركبت الطائرة 3 مرات متنقلاً بين إسطنبول وامستردام وميلانو وكوبنهاغن، ولكن بعدها أصبحت اتنقل بين الدول بالباص، إذ أمضيت نحو 90 ساعة في الباصات ونحو 35 ساعة مقسمين ما بين البواخر والقطارات. أحببت السفر بالباخرة، وهو شيء لطالما راودني منذ أن كنت صغيراً. من الأشياء الممتعة أن أكون وسط البحر ومحاط باللون الأزرق.

- الحروب القديمة والثورات: الحروب كانت حاضرة في الرحلة من خلال الذين التقيتهم. ألتقيت بأصدقاء من أيام الطفولة ومن أيام النشاط في بيروت وأصدقاء تعرفت عليهم عن بعد من خلال الربيع العربي وخصوصاً الثورة السورية. هكذا، التقيت بصديق عاش حصار حمص وآخر عاش حصار غزة. كما والتقيت غرباء، منهم من قاتل في صفوف الجيش الحر، وآخر قاتل في كتيبة المدفعية في الجيش الأحمر أثناء الأزمة الكوبية، وآخر أجداده كانوا في صفوف المقاومة ضد الفاشية في إيطاليا، وآخرون أجدادهم كانوا ضباط في الجيش النازي، وآخرون أجدادهم كانوا في مخيمات الاعتقال في اوشفيتز في بولندا.

- مخيمات الاعتقال والإبادة في أوشفيتز: ذهبت إلى هناك. غالبية الذين قتلوا في في أوشفيتز هُم من اليهود، ولكنهم لم يكونوا وحدهم. مئات الآلاف من الغجر الأوروبيين وبولنديين غير يهود وجنود أسرى من الجيش الأحمر وذوي الإعاقة تمت إبادتهم. شعرت بثقل الموت في الأبنية الممتدة على مساحة واسعة. رائحة الموت مازالت عالقة في المكان. النازيون حاولوا الإستفادة من كل شيء. كانوا يأخذون الأسنان الذهبية من الجثث ويذوبوها ليستخدموها. شعر الفتيات والنساء كان الضباط يبيعوه للذين يصنعون الشعر المستعار وغيرها من الأشياء.

ليس كل من اعتقل هناك كان مصيره الموت. القطارات كانت تأتي كل يوم بالآلاف من الناس من أنحاء الدول الأوروبية الخاضعة للحكم النازي أم المتحالفة معه. عند وصولهم للمخيم يتم تقسيمهم إلى قسمين: الناس الذين بقدرتهم العمل والناس الذين مصيرهم الموت. عند مدخل المخيم، كان هناك فرقة أوركسترا تعزف الموسيقى العسكرية طوال الوقت، وذلك ليدخل المعتقلون على الإيقاع العسكري بخطوات موحدة ليستطيع المسؤولون في المعتقل إحصاء الناس الوافدين بسهولة. حاولت إعادة تركيب بعض المشاهد في رأسي عن الذي حصل للناس في هذا المكان. خرجت من هناك والكثير من الأسئلة في رأسي. السؤال الأكثر حضوراً كان: هل سيشهد مستقبل أوروبا تكراراً لتجربة مخيمات الاعتقال والإبادة؟ خصوصاً وأن هذه المخيمات يلزمها بعض الإصلاحات لتعود إلى العمل من جديد.

-  شرق بحر البلطيق: تفاجئت بالدول الصغيرة، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، على الضفة الشرقية من بحر البلطيق، رغم أني لم أمضي الكثير من الوقت هناك. الانطباع الأول عن تلك الشعوب هي أنها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تريد العيش بسلام فقط دون الاكتراث لما يحدث خارجها، وهذا ما يفسر، نوعاً ما، عدم رؤيتي لأي امرأة مرتدية للحجاب أم لأي مظهر من مظاهر الأسلمة التي تجتاح أوروبا حالياً. إلى جانب ذلك، يمكن رؤية صراع النفوذ بوضوح بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين على تلك الدول من خلال تفاصيل مختلفة.

- التكنو: أمضيت ساعات وساعات في حفلات التكنو والفستيفالات الموسيقية. ذهبت إلى حفلات التكنو في اسطنبول، نايميخين الهولندية، ستوكهولم، وارسو، برلين، وصربيا. رقصت في أماكن غريبة: في مصانع مهجورة، في غرف صغيرة تحت الأرض داخل مباني قديمة، تحت جسر القطارات، في مطار عسكري للجيش الأحمر على أطراف برلين، في قلعة تعود إلى القرن الثامن عشر، على ضفة نهر الدانوب الكئيب، في صربيا. طبعاً، برلين المفضلة لدي. خططت للبقاء فيها أسبوع من الزمن، ولكني بقيت هناك نحو شهر. لم أستطع مغادرة عاصمة التكنو بسهولة. في نايميخين الهولندية، ذهبت إلى حفلة تكنو مع أنركيين من اليسار المتطرف، وفي وارسو، ذهبت إلى حفلة تكنو مع أشخاص من اليمين البولندي. في فستيفال الموسيقى (Exit Festival)، الذي حضرته مع أخي، حضر نحو 190 ألف شخص على 4 أيام. أغلب هؤلاء من الصربيين ومن دول البلقان وعدد قليل جداً من الغربيين. طريقتهم في الاحتفال تشبهنا إلى حد ما. وفي اسطنبول، ذهبت مع عدد من الأصدقاء إلى فستيفال للموسيقى الإلكترونية والتكنو (Electronica Festival) حيث كان على ضفة البحر الأسود. هناك، رقصت تحت سماء خضراء.

مقبرة ليتوانيا- المقابر: كل مدينة أزورها أحاول أن أزور واحدة من مقابرها. قد تبدو الفكرة غريبة لكثيرين، وهي فعلاً غريبة، ولكن بالنسبة لي، المقابر تدل على طريقة تعامل أهل المكان مع الموت، كما أنني أفضل قضاء بعض من الوقت خلال النهار في المقابر كونها خضراء وفيها الكثير من السكون، وأفضلها على الحدائق العامة التي عادة ما تعج بالناس وأطفالهم وبالتالي الكثير من الضجة.  بينما المقابر روادها ماتوا من زمن بعيد والزوار يحترمون الموتى فلا يتكلمون. دخلت مقابر كثيرة، منها مقابر صغيرة وأخرى كبيرة جداً. ذهبت إلى مقبرة على أطرف ستوكهولم. كانت من أجمل المقابر التي زرتها في حياتي. فيها جاذبية غريبة. تمنح الموت بُعداً محبباً. ومن المقابر المفضلة لدي، مقبرة كبيرة في ليتوانيا. هي مقبرة كلاسيكية فيها الكثير من الثقل. أما المقبرة التي أعتبرها تمثل عالم المقابر فهي مقبرة هامبورغ التي تعتبر رابع أكبر مقبرة في العالم وتضم مقابر لجنود من الحرب العالمية الثانية وكتاب وروائيين ومصورين وممثلي أفلام إباحية وشعراء إضافة إلى مقابر لأناس من ديانات مختلفة. تلك المقبرة المتدفقة يحتاج المرء إلى أيام للتجول في كل انحائها. من الأماكن التي زرتها أيضاً، الساحة التي شنق فيها الزعيم الفاشي موسيليني قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية. المكان الذي علق فيه هو عبارة عن دوار في نصف الشارع، وهذا الدوار تغطيه أشجار متوسطة الطول. لا أحد يكترث للأماكن التي قتل فيها الطغاة.

- السخرية السوداء: الفرنسيين والألمان والأميركيين والغربيين عموماً، لديهم حس سخرية جيد ولكنه دائماً ما يكون محدوداً إذ أن الكثير من المواضيع يحاولون تجاهلها وعدم تناولها بشكل ساخر لأسباب مختلفة منها الشعور بالذنب أم بسبب معايير الزمن الحاضر إذ أصبحت لائحة المواضيع التي يجب عدم لها بشكل ساخر كبيرة جداً. بينما الإنكليز والأسكتلنديين والإيرلنديين فهم لديهم القدرة من السخرية من أي شيء. كلما ألتقيت بالإنكليز وجيرانهم أشعر بأنه يمكنني أن أتحدث عن أي شيء دون أن الاضطرار لتبرير ما أقوله، كما أن سوداويتهم واقعية وهذا ما يمنح للمحادثة متعة نادرة. سخريتهم وسوداويتهم تتناقض مع التفاؤل الأميركي الساذج والمقيت.

- عشاق الطغاة وكارهيهم: من إسطنبول حتى ثيسالونيكي اليونانية التقيت بكثيرين من عشاق الطغاة، منهم من يحب الدكتاتور الليبي معمر القذافي، ومنهم من يرتدي قميصاً عليه صورة للرئيس الروسي بوتين، ومعلم الفلافل اليوناني أخبرني بإنكليزية ركيكة بأن "بشار الأسد منيح بس الي حواليه عرصات" وهو المنطق الذي يدافع فيه الممانعين عن الطاغية البعثي بشار الأسد. وفي الوقت عينه، التقيت بأشخاص هاربين من أنظمتهم بينهم روس وإيرانيين وسوريين، وآخرون هاربين من الاحتلال الإسرائيلي لبلادهم.

- بين ثيسالونيكي وبيروت: أمضيت الأيام الستة الأخيرة من رحلتي في ثيسالونيكي اليونانية التي تقع على بحر إيجه، أحد متفرعات بحر المديتراني. هناك، حصلت على وشم لذراعي، والتقيت بعدد من الأصدقاء اليونانيين. المدينة تشبه بيروت في كل شيء: الناس، الشوارع، البحر، الأبنية، ورطوبة الصيف الخانقة. لم أشعر بأنني أزور المدينة للمرة الأولى. طوال الوقت لازمني شعور بأنني في بيروت، وهذا أشعرني ببعض من الكآبة. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أشعر بأن بيروت أصبحت بعيدة.

- الحرب القادمة: تحدثت مع كثيرين والأزمات الحديثة في الشرق الأوسط وأوروبا كانت دائماً محوراً للحديث، خصوصاً موجة اللجوء الكبيرة التي عاشتها أوروبا في السنوات الستة الأخيرة. لاحظت أن الجميع، دون استثناء، إن انتموا لليسار أم لليمين، متشائمين أم متفائلين تجاه المستقبل، الكل يعتقد بأن أوروبا قادمة على انفجار كبير قد يكون على شكل حروب أهلية في السنوات القادمة.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       حسابي على انستغرام: Hanibaael

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X