كُتب في
أحرف

رحلتي مع الاكتئاب

ملخص المكتوب: كنت أمام خيارين

رحلتي مع الاكتئاب صورة

مؤخراً، ازدادت نسبة الانتحار في بيروت ومدن أخرى من العالم. ربما هي لم ترتفع بل اصبحنا نلحظها أكثر، وخلال الشهرين الأخيرين (أبريل ومايو 2018) انتحر ثلاثة من المشاهير، بينهم الموسيقي أفيشي ومصممة الأزياء كايت سبايد.

عام 2011، كان من الأعوام الثقيلة. أربعة من أصدقائي والذين أعرفهم وضعوا حدا لحياتهم. كان أمراً لا يحتمل أن أفقد أربعة أشخاص خلال ستة أشهر فقط. وفي السنوات اللاحقة، أشخاص أعرفهم ولا أعرفهم وضعوا حداً لحياتهم. حينها، لم أفهم الموضوع، ولا كيف يمكن لشخص أن يقوم بهكذا عمل. لم احب ما قاموا به، ولم أتكلم عن ذلك الموضوع سوى مع الدائرة الصغيرة من الأصدقاء. لم أعلّق على الموضوع رغم أن الكثير من النقاشات دارت (وماتزال) حول مسألة الانتحار، بين من يصنف المنتحر بالجبان أم البطل الشجاع.

أعتقد أن النقاش يدور في المكان الخطأ، هذا ما استنتجته بعد سبعة سنوات، واليوم أقف في مكان آخر من هذا الموضوع.

منذ سنتين تقريباً، عندما كنت أعيش في مدينة الرمل والزجاج، دبي، دخلت في مرحلة نفسية كانت الأكثر سوداوية في حياتي. هذا غير مرتبط بحياتي من الناحية المعيشية. الشكل الخارجي لحياتي يبدو جميلاً: أعمل في شركة كبيرة، أحصل على راتب جيد، أعيش في شقة، ولدي سيارة. هي حياة مثالية. هذا على الواجهة، أما وراء الصورة، كنت أعيش جحيم يومي.

في الستة أشهر الأولى، لم أكن أعرف ما حلّ بي. كنت أعرف فقط بأني لا أطيق أي شيء وأشعر دوماً "بضيقة خلق" بغض النظر عن ما أقوم به، وكأنها غيمة رمادية في صدري.

كان شعور الضيق يلازمني عند الذهاب إلى العمل، عند الخروج مع الأصدقاء لشرب كأس من البيرة ام القهوة، عند التقاء الفتيات، أم مشاهدة المسلسل الذي يضحكني أم قراءة رواية لأحد كتّابي المفضلين.

بعد ستة أشهر من ذلك الشعور، أنتقلت للعيش في مدينة أخرى. بعد انتقالي، ازداد هذا الشعور سوءاً. لم يعد مجرد شعور بالضيق، أصبح شعور ممزوج بالألم، ووحدها الأفكار السوداوية تخطر في رأسي. أصبحت قدرتي على الخروج من المنزل أقل بكثير. لم أعد أرى جدوى من الخروج، وبعد أشهر فقدت الرغبة بالقيام بأي شيء، لسبب بسيط هو انني لم أستطع ان أجد الجدوى من الخروج أم حتى الحديث مع الآخرين.

كنت أحيانا اخرج من المنزل لألتقي ببعض الأصدقاء، ولكن لحظة خروجي من المنزل ابدأ بالتفكير باللحظة التي أعود فيها إلى المنزل. كنت أصارع كثيراً لأجلس ساعة واحدة خارج المنزل. لم أعد احتمل الخروج، وبعد أشهر، أصبحت غير قادراً على احتمال الجلوس في المنزل. أي عمل أقوم به أشعر بذات الشعور، وأسأل نفسي ذات السؤال: ما الجدوى من كل هذا؟ لم أعد أرى جدوى من الحياة ومن استمرارها.

في تلك الأثناء، عرفت أني ما اعاني منه هو الاكتئاب الحاد. بدأت البحث عبر الانترنت (هل من أحد مازال يستخدم مصطلح الشبكة العنكبوتية؟) عن الاكتئاب. كل يوم، خلال العمل، أقرأ عن تجارب آخرين حول العالم عانوا (ومازالوا) من هذا المرض.

هذا لم يعني أن مشكلتي انتهت. كل يوم يمر، كنت أشعر بأني في دوامة لا تنتهي. هذه الدوامة تزداد حدة وظلمة، وبدأت تترافق مع ألم شديد. هذا الألم كان يلازمني منذ لحظة نهوضي من الفراش حتى ساعات متأخرة من الليل. أحيانا كثيرة لم اكن قادراً على النوم. ساعات طويلة أتمدد في سريري غير قادر على القراءة أم مشاهدة مسلسل أم النوم. كنت أبقى مستيقظاً لساعات الفجر الأولى، وكأنني أتدفق في بحر لا متناهي من العتمة يظلله شبح الاكتئاب.  

في تلك الفترة، عندما بدأ الألم يتمدد في روحي وجسدي غرقت في دوامة من الأفكار السوداء. هذه الأفكار بدأت تأخذني إلى أماكن لم أكن أتخيل أني سأزورها. فكرت بأصدقائي الذين انهوا حياتهم. أصبحت أكثر تفهماً لهم، ومنصفاً بحقهم. عرفت أكثر الدوافع التي وضعتهم أمام القرارات التي أتخذوها. هم ليسوا أشخاصاً يهربون من المسؤولية، وليسوا أبطالاً. كل ما أرادوا القيام به هو وقف لهذا الألم الذي يلازم أرواحهم ولا يفارقهم. أرادوا وضع حد لدوامة الظلمة التي تحاصرهم. دوامة لا تتوقف مهما حاولت القيام بأي شيء. هي ليست كألم الأسنان أم الصداع الذي يتوقف بعد تناول الدواء. الوجود بحد ذاته مؤلم، وهذا شيء لا دواء له.

بدأت بالتحدث إلى الدائرة الصغيرة والقريبة مني. بعد أن قرأت أن تحدث المكتئب إلى الذين حوله يساعده على تجاوز الاكتئاب ولو قليلاً. هكذا بدأت أخبرهم عن ما أفكر، وهذا ما خفف من الصراع في داخلي، إذ وجدت تجاوباً من الذين حولي. كان هذا نقطة تحول إيجابية، ولكن ذلك طبعاً لم يكن حلاً على المدى البعيد. كنت أعرف ما الذي يسبب لي هذا الاكتئاب. كنت أعيش حياة لا أريد عيشها. لم أكن في مكان أخترته بإرادتي. لم أكن في البيئة التي تلائم أفكاري في الحياة، خصوصاً وأني عملت في السنوات السبعة الأخيرة في المكاتب التي أثرت سلبياً على حياتي واهتماماتي.

العمل في المكتب راكم في داخلي الكثير من الغضب والخيبة والتعب والنوم المتقطع. السنوات الطويلة في المكتب حولتني أكثر إلى شخص مغلق ويكره الكثير من الأشياء. كل يوم، عندما أنهض للذهاب إلى المكتب، أشعر بأني أموت قليلاً وشيئاً في داخلي يخمد. هكذا بعد سنوات، دخلت في دوامة الاكتئاب التي شعرت بأنها ستقضي على حياتي قبل أن استطيع الخروج من المكتب إلى الحياة.

في أكتوبر 2017، كان الاكتئاب قد تغلغل في كافة جوانب حياتي. شعرت بأني دخلت عالم لا عودة منه، وهذا ما زاد من الألم في داخلي. حينها، قمت برحلة إلى أوروبا، أمضيتها متسكعاً ومتأملاً في حياتي، فقد أنهيت إحدى وثلاثين عاماً من حياتي. كنت أمام خيارين. الخيار الأول هو أن استمر في نمط الحياة الذي أعيشه واستمر في الوظيفة  وابقى في دوامة الاكتئاب التي تزيد من سوء حالتي النفسية ليصبح المكتب مقبرتي، أما الخيار الثاني فهو أن أترك الوظيفة وأغادر الخليج لأقوم بما أحب وهو السفر. طبعاً، الخيار الثاني هو خيار شخصي وليس بالضرورة أن يكون حلاً للآخرين.

هكذا، في نهاية فبراير 2018، استقلت من عملي، لأبدأ رحلة سفر، قد تمتد لعام، ما بين أوروبا وآسيا. حاملاً حقيبتي على ظهري ولا أملك مفاتيح لشقة أم سيارة أم جارور. في هذه الرحلة، أمضي وقتي في الشوارع، أسافر بالقطارات والباصات والبواخر، أتحدث مع الغرباء، أذهب لحفلات موسيقى التكنو، اكتب قصص حدثت معي، أقرأ كتب كنت قد اجلت قراءتها لسنوات، وأختبر الحياة من جوانب مختلفة، وأخرج من رأسي وروحي كل السموم التي دخلت إلي في السنوات السبع الأخيرة.

 

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X