كُتب في
أحرف

فسحة جميلة للموت

ملخص المكتوب: إلى ذلك الحين، لنستمتع بآثامنا الصغيرة

فسحة جميلة للموت صورة

الموتى، يا توماس، يحصلون على أجمل المساحات الخضراء كمثوى أخير. هذا تعويض لهم عن شقاء الحياة. أينما ذهبنا، نلاحظ بأنّ المقابر غالباً ما تستحوذ على مكان جميل وناءٍ إن كان في القرية أم المدينة.
في لاوعينا الجماعي، نهتم بالمقابر وكأننا نقول: احياؤنا عاشوا حياة بائسة، لنكرّمهم في فسحة موت جميلة. يموتوا بسلام، قرب العشب، وبعض الزهور. جغرافيّة المقابر تُخبرنا قليلاً عن علاقتنا الملتبسة معها والتي تنطوي على مفارقات مختلفة. هنا بعض منها:

مكان للمساواة: للمقابر سطوة غريبة علينا، فهي قد تكون المكان الوحيد الذي نشعر فيه بالمساواة بين بعضنا البعض، بغض النظر عن الفروقات الحضاريّة، الطبقيّة، الإثنيّة، اللغويّة، الجندريّة أو غيرها.
هنا، تحت هذا العشب الأخضر المزيّن بالهدوء وأناقة الأزهار، ينام، بسلام، عشرات من الذين سبقونا إلى الجانب المظلم من الأرض. لا فرق بينهم سوى بعض النقوشات والزخرفات على الألواح الرخاميّة التي تخلّد ذكراهم.
لا اعرف ما إذا هذه المفارقة تضاف إلى لائحة “سخرية القدر”، أم أنّها مجرّد مفارقة جانبيّة: المقابر هي الدليل الوحيد على أنّنا يمكننا أن نموت بسلام ومساواة.

بديل عن الجنّة: رغم أنّ الدينيّين يؤمنون بالجنّة، فهُم يهتموا بالمقابر أيضاً. هو ذلك الشك البعيد: “ربّما الجنّة ليست سوى اسطورة.”

“لنحفظ الموتى في فسحة جميلة.”

مكان للصفاء: لم أزر الكثير من المقابر في حياتي، ولكنّ في كل مرّة كنت أدخل فيها إلى المقبرة، كنت أشعر بأنّ وراء مدخلها، لا يوجد شيء سوى صفاء غريب. هناك، الشعور الإجتماعي يتلاشى. هو تعرّ من المجتمع وسلاسله، حتّى أنّ البغض تجاه الآخرين يزول قرب القبر.

مكان للصمت: من النادر أن تستطيع فتح حديث في أرجاء المقبرة. رأسنا يتوقف عن إفراز الكلمات. القصص التي تبدو لنا مثيرة ورائعة تُصبح مجرّد قصص باهتة لا تستحق السرد والمشاركة مع الآخرين. ترتبك حواسنا وتتجمّد مخيّلتنا وكأنّنا أصبحنا أناس ذو صفحة بيضاء.

ليس بالضرورة أن يكون ذلك نابع من “حرمة الموتى”، كما يُحب البعض أن يسميها، ولكن ربّما نابع من مسألة اخرى: سطوة الموت على الحاضر.

سلام من أجل الموتى: على مر التاريخ وحتى يومنا هذا، من الواضح بأنّنا نقدّر الموت أكثر من تقديرنا للحياة. كان الملوك يرسلون جيوشهم المؤلّفة من الآلآف أو عشرات الآلآف إلى الحروب ليتقاتلوا. بعد توقف المعارك، يحترم الجيشين الأموات من الطرفين، يعقدون هدنة سلام، من أجل إجلاء جثث الذين ماتوا من ساحة القتال، وإرسالهم إلى وطنهم كي يُدفنوا بما يليق بهم.
نحن لا نوقف الحروب احتراماً للأحياء، بل نوقفها من أجل الموتى كي ندفنهم في مقابرهم بسلام، ليتقاتل بعدها الأحياء في معارك لا تنتهي إلاّ بهدنات من أجل الموتى.
وهذه مفارقة اخرى من مفارقات سخرية القدر التي تمارسها البشريّة.

موت من أجل المقابر: وفي الحروب أيضاً، تلعب المقابر أدواراً مختلفة. للبعض، تُصبح المقابر أحياناً أهم من الأحياء وأرواحهم، ونجد دائماً من يُرسل الأحياء كي يَقتلوا ويُقتلوا في سبيل المقابر، ودفاعاً عنها.
***
المقابر، هي تلك الأماكن التي كلّما تقدمنا بالسن كلّما زرناها أكثر، وكأنّ ذلك تعويد الذات على التأقلم مع الفكرة، كون المقبرة هي وجهتنا الأخيرة.

إلى ذلك الحين، لنستمتع بآثامنا الصغيرة.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X