كُتب في
أحرف

قصتي مع الغربان

ملخص المكتوب: غربان ورهبان

قصتي مع الغربان صورة

انجذابي الى الغربان بدأ مع انتقالي للعمل في مدينة الرمل والزجاج، دبي، في صيف 2011.
الغربان تملأ المدينة. هي ليست محلية. استقدمت من الخارج لتحرس المدينة من العقارب والفئران. لاحقاً، عندما بدأت بالسفر إلى النيپال والهند، بدأت بملاحظتهم أكثر. أمضي وقتاً في مراقبتهم لأفهم طريقة تواصلهم وخططهم وكيفية حصولهم على الغذاء في عالم عدائي.

في السنوات اللاحقة، قرأت كتاباً حول الغربان يتناول كل ما له علاقة بهم، سلوكهم، ورمزيتهم في المعتقدات التاريخية والثقافات الحديثة. الكتاب أضاء أيضاً على علاقة الغربان بالذئاب التي تعتبر من أكثر العلاقات تميزاً وتختلف بطبيعتها عن العلاقات بين الحيوانات الأخرى. الذئاب تسمح فقط للغربان بمشاركتها الطعام. كما أن الغربان عندما ترى جثة لا تستطيع إحداث ثقب فيها بمنقارها، فهي تطلق نداء للذئاب لتأتي وتقوم بذلك. هكذا يتشاركان الوليمة.
بعد قراءة هذا الكتاب قمت في ربيع 2017، بإضافة وشم على جسدي وهو عبارة عن غراب وذئب معاً، يبدوان وكأنهما أيقونة واحدة.
للغربان حس فكاهة وحنكة غريبة لا تملكها الطيور الأخرى. نعرف كثيراً عن عالم الغربان، ولكننا لا نعرف كل شيء، وعلى الأرجح سيكون صعباً علينا كشف كل الغاز عالمهم الغامض.
اكتشف العلماء بأن الغربان يغيّرون من سلوكهم عندما يشعرون بأنهم تحت المراقبة. يعرفون كيف يحافظوم على أسرارهم ليبقى الغموض جزء من شخصيتهم. ربما هذا ما يزيد من جاذبية الغربان وغرابتهم وقدرتهم على أخذ أشكال مختلفة في الثقافات على مرّ التاريخ.
الغربان يضيفون للمكان بُعْداً غامضاً. أحياناً يكون الغراب رمزاً للموت، وأحياناً أخرى رمز للحياة. بين جناحيه يخبىء أسرار المكان وأهله، ويحمل نبوءة الايام القادمة. الغراب يعرف عنا الكثير. يراقبنا بحذر، وأحياناً يقترب منا ليتشارك الطعام معنا.

هنا مشاهد من مدن مختلفة حول الغربان

***

غربان مومباي

عند الصباح، وحدها الغربان ملوك السماء في مدينة مومباي. تتجمّع الغربان وكأنّها في فيلم “The Birds” لهيتشكوك. تبدو وكأنّها تعرف جيّداً كيف تنظم ذاتها في مدينة الفوضى. هذا التجمع يجعل من وصول الضوء إلى وجوه العابرين صعباً، رغم ذلك، تبدو الشمس مألوفة.

***

غربان كتمندو

ذلك الفجر كان غريباً في كتمندو. لم انم جيداً هذه الليلة. عند الخامسة صعدت إلى سطح النزل، الذي نمت فيه ليلتين، لادخن سيجارتي. العتمة مازالت في الأرجاء. قبائل من الغربان كانت تطير في اتجاه واحد. نعيقها كان عالياً وغريباً. "ربما يتجهون إلى الجثة التالية. الجريمة التالية"، قلت في نفسي.
مشيت نحو الباص لاغادر العاصمة وزحمتها. من نافذة الباص رأيت رجلاً مسناً يبدو في ستينياته مدداً قرب الرصيف. جسده ينتفض وكأن الروح على وشك مغادرة جسده شبه العاري. الغربان كانوا يحلقون حوله بذهول وخفّة. كانوا بانتظاره أن يغادر هذا العالم للعالم للآخر.

***
غربان كولومبو

عند المغيب اختفى الرهبان من المعبد البوذي. وحدها الغربان احتلت المكان. توزعت على الشجرة المقدسة وسط المعبد. الضوء يتلاشى، وطلال الغربان تظهر في باحة المعبد وكأنها أشباح طائرة. اصواتها حملت بعض من التعاطف، بعض من العتمة والكثير من الحياة.

وعند مغيب آخر، تعالت أصوات التراتيل من المعبد البوذي على ضفة البحيرة، وكذلك أصوات الغربان.
امتزجت أصوات الرهبان بأصوات الغربان. واحدة للحياة وأخرى للموت. الفارق لم يعد واضحاً. عالم الغربان امتزج بالعالم المتدفق داخل المعبد وعلى ضفة البحيرة. الغربان ينشدون على طريقتهم. الحياة والموت يتداخلان ليصبحا أيقونة واحدة متداخلة عند ذلك المغيب المقدس.

***
غربان جبل آدم

كنت في طريقي إلى النهر المقدس عندما سمعت تراتيل قادمة من المعبد الهندوسي. دخلت. عشرات من المؤمنين من أربعة أجيال مختلفة تتوزع الباحة. الرهبان يرتّلون ويحرقون البخور على وقع صوت الاجراس. الأسود والألوان الأخرى موجودة في ملابس الرجال والنساء. النار تتوسط الجميع. الغربان تشارك الطقوس بصمت. تماثيل شيڤا وبارڤاتي وغانيش حاضرة في أرجاء المعبد الذي بدا وكأنه فسيفساء حيّة. الحياة كانت تحدث هناك.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X