كُتب في
أحرف

لائحة الاماكن التي ازورها خلال السفر

ملخص المكتوب: رحلتي إلى قاع العالم

لائحة الاماكن التي ازورها خلال السفر صورة

 

السفر هو رحلة متعددة الأبعاد على مستويات مختلفة. مع مرور الزمن، أصبحت أبحث عن أماكن محددة خلال رحلاتي. هذه لائحة ببعض هذه الأماكن:

- الأبنية المهجورة: نشأتي في بلاد عاشت (وتعيش) حروب أهليّة حوّل الكثير من القرى واحياء من المدن في لبنان إلى أماكن مهجورة. عائلتي سكنت لفترة في منزل مهجور في منطقة الناعمة، جنوب بيروت. الحي في الناعمة، ضمّ منازل مهجورة وكنيسة مهجورة إلى جانبها مقبرة. هذه الأماكن كانت ساحة للعب. انتقلنا إلى الناعمة، بعد أن تهجّرت عائلة جدّي التي كانت تسكن مع عائلة أخرى في منزل في منطقة طريق المطار، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لاحقاً، انتقلنا إلى بيت جدّي في منطقة وطى المصيطبة في بيروت بعد انتهاء الحرب الأهليّة في 1992. هذا الحي يضم بيوت شبه مدمّرة جراء الحرب، منها قصفها جيش الاحتلال الإسرائيلي وأخرى قصفها جيش الاحتلال البعث السوري. هذه المنازل لم يعد أصحابها إليها. بقيت كما هي وتحوّلت إلى ساحات للعب أيضاً.

أحياناً، كنت أذهب وحدي إلى تلك المنازل، حيث أدخلها وأمضي ساعات فيها باحثاً في الأغراض الباقية. أحياناً، أجد صوراً ومجلات قديمة. هذه الأشياء كانت تحفز مخيلتي ورغبتي في نبش الذكريات والأحداث.

مع مرور الوقت، توسعت هذه الرغبة وأصبحت أجوب بيروت بحثاً عن أبنية مهجورة. وعندما بدأت التصوير الفوتوغرافي، أصبحت التقط صوراً لهذه الأماكن واحتفظ بها.

الأماكن المهجورة تطرح أسئلة أكثر من إجابات: من هُم الذين سكنوا هنا؟ في أية ظروف تركوا المكان؟ كيف كانت لحظة خروجهم؟ هل حاولوا العودة إلى هنا ولم تسمح لهم الظروف؟ أين هم اليوم؟ هل يعلمون بأن غريباً يقف بين جدران منزلهم محاولاً أن يعرف عنهم أي شيء، ليس من باب الاطمئنان بل بدافع الحشرية؟

اليوم خلال سفري، أحاول دائماً البحث عن هذه الأماكن. المدن والقرى التي عاشت صراعات مسلّحة دائماً ما تضم أماكن مهجورة. حرب واحدة كافية لترك مساحات واسعة بلا ناس. هذه الميزة الأساسية للحروب التي يكرهها الجميع ولكن لا يتوقف أحد عن خوض غمارها. في الحرب غموض، رغم الآلام التي تتركها وبصمتها الدموية في النفوس، وهذا قد يكون أحد أسباب الانجذاب اللاواعي إليها.

مدن شرق أوروبا، إضافة إلى مدينة برلين، تضم الكثير من المباني المهجورة والمصانع الخالية من العمال. هناك أمضيت الكثير من الوقت أثناء رحلتي إلى أوروبا في صيف 2018.

- المقابر: قد يعود إنجذابي إلى المقابر إلى طفولتي (كما أشرت في الفقرة الأولى)، إذ أن المقبرة المجاورة لمنزلنا كانت مكاناً للعب عندما كنت في الرابعة والخامسة من عمري. في السنوات الأخيرة، أمضيت الكثير من الوقت في مقابر مختلفة في مدن مختلفة.

الوقت داخل المقبرة يختلف عن الوقت خارجها. في المدينة، الجميع على عجلة. يريدون الوصول إلى وجهتهم. بينما في عالم المقابر، الوقت بطيء. لا حاجة للاستعجال. الجميع وصلوا إلى وجهتهم. عالم المدينة وعالم المقابر متناقضان وفي الوقت عينه ينتميان إلى بعضهما البعض. يغذيان بعضهما البعض، ورغم ذلك ينفصلان في كل شيء.

زرت الكثير من المقابر المختلفة في ميونخ، برلين هامبورغ، ستوكهولم، فيلنيس (عاصمة ليتوانيا) وكراكوف (في بولندا). كل مقبرة لها طابعها الخاص، منها الكلاسيكي ومنها الصغيرة جداً وأخرى ممتدة لمساحات واسعة. قد تكون أبرزها المقبرة التي زرتها في هامبورغ وتعتبر رابع أكبر مقبرة في العالم.

بينما في جنوب شرق آسيا، بين النيبال والهند، الوضع يختلف. هنا، لم أزور مقابر وهي نادرة جداً إذ أنّ حرق الجثث هو الشائع. هكذا، أذهب أحياناً إلى المعابد الخاصة بحرق الجثث. اجلس وأتأمل تلاشي الجثث وتحولها إلى مجرد ضباب كثيف ورمادي. للبعض الموت هو النهاية، وللآخرين هو البداية. بالنسبة لي، اعتبر نفسي أني أقرب إلى هؤلاء الذين يعتبرونه بداية.

من المشاهد المؤثرة التي تجسّد هذه المقولة رأيتها مؤخراً في النيبال. أثناء مهرجان داساين الذي يعتبر من أهم المهرجانات الدينية، ويحتفل فيه الهندوس والبوذيين، ذهبت إلى معبد هندوسي كبير. في ذلك المعبد، كان هناك احتفالاً ضم أغاني ومجموعة من الناس ترقص، وعلى بُعد نحو 30 متراً من الاحتفال بالحياة، بعض الناس كانت تحرق جثث الموتى وتقوم بالحداد عليها. في مشهد واحد، في مكان واحد وفي لحظة واحدة، اجتمع الاحتفال بالحياة وبالموت. مشهد لم أشاهد مثله في أماكن أخرى من الأماكن التي زرتها.

المقابر، بالمختصر، تُظهر طريقة تعامل أهل المكان مع الموت.. والحياة.

- حفلات التكنو: في السنوات الأخيرة، تحوّلت موسيقى التكنو إلى طاقة تمدّني بالحياة. مؤخراً، خلال سفري، أصبحت أبحث عن هذه الحفلات التي تُظهر كيف يحتفل المحليّون بالحياة، خصوصاً وأنّ في التكنو بدائيّة وجاذبية غريبة. في حفلات التكنو، التقي عادة بأناس من شرائح مختلفة، خصوصاً الشرائح المهمشة والتي لا مكان لها في الثقافة السائدة (mainstream). هناك، ازور قاع المدينة، والتقي بأشخاص يشبهونني أكثر. على الأقل، التكنو يجمعنا، وهذا كاف أحياناً لقضاء وقت ممتع واكتشاف جانب آخر للمكان الذي أزوره.

- المعابد: إن كانت المقابر تُظهر طريقة تعامل الناس مع الموت، وحفلات التكنو تُظهر طريقتهم في الاحتفال بالحياة، فإنّ المعابد، إن كانت كنيسة أم كنيس أم بوذية أم هندوسية، فهي تُظهر طريقة تعامل الناس مع الماوراء، وتظهر الجانب الروحي للمكان الذي أزوره.

دخلت الكثير من المعابد، وشاهدت الكثير من الطقوس المختلفة. في رحلتي لأوروبا، دخلت إلى أكثر من كنيسة في كل مدينة زرتها. حضرت قداس هنا وهناك. امضيت وقتاً طويلاً في الكاتدرائيات الضخمة. حاولت إيجاد فوارق بين كنائس شمال أوروبا، مثل السويد وفنلندا، وبين كنائس ليتوانيا ولاتفيا وبولندا. حاولت فهم سبب احتلال كبار السن للكنائس وغياب الشبان والشابات عنها. بعض الكنائس في السويد وفنلندا لم يدخلها أحد. بينما القداس في وارسو حضره الجميع. الكنيسة كانت ممتلئة بالناس وكأنهم يشاهدون مباراة كروية لنهائي كأس العالم. ولكن ذلك لم يحدث، أحد الرهبان كان يلقي موعظة، بالبولندية، عن الآثام والخلاص. طبعاً لم أفهم ماذا يقول، ولكن طبعاً القداس لن يكون عن كيم كارداشيان ومؤخرتها الهائلة. امتلاء الكنائس يدل على موجة من التديّن في بعض الأماكن.

طبعاً من الأشياء التي أحبها في المعابد هي الهندسة المعمارية وكمية التفاصيل الكبيرة التي تضمها. في رحلاتي إلى آسيا دخلت عدداً كبيراً من المعابد البوذية والهندوسية. المعابد الهندوسية فيها الكثير من الثقل وأغلب الأوقات لا أشعر بترحيب فيها رغم أنّ أحداً لم يتوجه بالحديث إليّ. بينما المعابد البوذية فهي المفضلة لديّ بين كل المعابد التي دخلتها. لهذه المعابد جاذبية تدفعني لقضاء وقت طويل فيها. كل شيء في هذه المعابد يدعو للتأمل. الطاقة التي تضمها تجعلني أكثر هدوئاً وتفتح لي أبواباً من الأجوبة والأسئلة. في كل مرة أزور بها معبداً، ألتقي رهبان بوذيين من مختلف الأعمار. نتحدث عن مسائل مختلفة. أطرح اسئلة حول البوذية والتأمل، ودائماً ما أعود بشيء ما من هذه المعابد. ما أنتظره في الأشهر القادمة هو زيارة الجزء البوذي من شبه القارة الهندية. ذلك الجانب الذي أردت اكتشافه لسنوات.

- الغرافيتي: منذ 2007، بدأ اهتمامي بالغرافيتي يكبر. حينها، بدأت التقط صوراً للغرافيتي في بيروت، خصوصاً الغرافيتي الذي له أبعاد اجتماعية وخلفيات سياسية وبذور الثقافة البديلة (alternative). وفي عام 2008، بدأت اكتب في الصحف البيروتية وعلى مدونتي حول اعمال الغرافيتي في شوارع بيروت وزواريب المخيمات الفلسطينية في الضواحي. ومع اندلاع انتفاضات الربيع العربي، ازداد اهتمامي بها. هكذا، أصدرت عام 2013 كتابي الورقي "غرافيتي الإنتفاضات" الذي تناولت فيه استخدام الغرافيتي كأداة مقاومة بديلة ضد الطغاة.

في المدن التي أزورها التقط صوراً لأعمال الغرافيتي التي أصادفها في تجوالي، وأحياناً أبحث عن الأحياء التي تضم فوضى الغرافيتي على جدرانها. اما الخلطة المفضلة لي فهي ان أجد أماكن مهجورة مليئة بالغرافيتي، وهذا ما يجعل مدينة برلين من المدن المفضّلة لديّ، إذ أن الغرافيتي يغطي كل شارع فيها وتضم مبان مهجورة في أرجائها.

الغرافيتي، إضافة إلى دوره التجميلي لمدن الباطون، فهو على الاغلب، يُظهر الصراعات الخفيّة في المجتمع والهواجس التي تعيشها المجموعات التي لا مكان لها في الثقافة السائدة.

- الأبنية القديمة:  عشت في مدينة قديمة، بيروت، حيث عمرانها قديم. كما عشت في مدينة ما بعد حداثوية، دبي، حيث عمرانها ينتمي إلى المدرسة العصرية. بالمختصر، لم أحب العمران الحدي، فهو بارد وجاف وعبارة عن ألواح زجاجية لا جذور لها. أنظر إلى الأبراج العالية، ولا تخبرني سوى قصة أناس يريدون المزيد من المال والتوسّع. بينما الأبنية القديمة، فهي كتاب من القصص. فيها بعض من الذوق والبساطة والفن. بيروت من المدن التي ينهشها الصراع ما بين التاريخ والحداثة. في السنوات العشرة الأخيرة، اختفت أغلب الأبنية لقديمة (التقطت صوراً لكثير منها) على حساب أبراج عالية وفارغة. اليوم، بيروت تبدو من بعيد وكأنها دبي صغيرة، وهذا ما يُفسّر ظهور غرافيتي في شوارع المدينة يقول "بيروت ليست دبي".

في أوروبا الوضع مختلف، حيث أن المدن مازالت، إلى حد ما، محافظة على الطابع القديم لعمرانها. هكذا، امضي وقتي متأملاً تلك الأبنية. أحب العمران السوفييتي، ليس لأسباب جماليّة، وإنما للجانب التاريخي له.

- الحانات الصغيرة: الحانات تُظهر الجانب الليلي غير الصاخب للمدن. دائماً ما أبحث عن الحانات الصغيرة في الشوارع الضيقة للمدن التي أزورها. أتأمل تصميمها والتفاصيل التي تضمها جدرانها والإضاءة التي تتوزع أرجائها والرسومات البصريّة المعلّقة هنا وهناك. طبعاً، احاول تذوّق البيرة المحلية للبلاد، إذ أن جودة البيرة تشير إلى ذوق أهل المكان واهتمامهم بجودة لياليهم الطويلة. المدن الاوروبية هي مدن كحوليّة بالدرجة الاولى، لذا دائماً ما أجد حانات قديمة وجميلة أينما ذهبت. من المثير للسخرية، انّ كل مدينة زرتها تقريباً تضم حانة إنكليزية ام إيرلندية الطابع، وكأنّ الإنكليز يريدون ان يمضوا أوقاتهم حتى أثناء سفرهم في حانات تُحاكي الحانات في بلادهم. هل هذا يُعتبر جزء من الشعور الجماعي بعدم الأمان لدى الإنكليز والإيرلنديين؟ أم أنّ مفهوم لحانة الإنكليزية/ الإيرلندية شعبي والجميع يحبها؟ بكل الأحوال، عادة ما أدخل الحانة الإنكليزية (English bar) خصوصاً وأنّ الهمبرغر عادة ما تكون جيدة هناك، بغض النظر عن مكان هذه الحانة.

من المفارقات أيضاً، ان الحانة التي امضيت فيها الكثير من الوقت ما بين 2004 و2011 هي حانة (Captain's Cabin) في آخر شارع الحمرا في بيروت، وهي لها طابع إيرلندي، وتعتبر من أقدم حانات بيروت إذ أنشأت عام 1964 وتصميمها لم يتغيّر تقريباً منذ ذلك الحين.

- الجبال والغابات والطبيعة: احاول دائماً خلال رحلاتي الذهاب إلى الجانب البرّي للبلدان التي أزورها. صعود الجبال من النشاطات التي أقوم بها عندما أستطيع ذلك. هكذا، مشيت في جبال راجستان الهنديّة، وجورجيا وعُمان وبلغاريا والنيبال.

في رحلتي الأخيرة لأوروبا، بقيت أسبوعاً مع أصدقاء سوريين في إحدى القرى في السويد. ذهبنا إلى بحيرات وأمضينا بعض من الوقت في إحدى الغابات. وكذلك في هولندا حيث كنا نجلس لساعات أمام ضفة نهر الفال (Waal). في آسيا، أمضي وقتاً أكبر في الجانب البرّي والطبيعي أكثر من الجانب المديني. هكذا، امضي وقتي في النيبال، متسكعاً قرب البحيرات والأنهار، إضافة إلى رحلة طويلة قمت بها إلى جبال الهيمالايا. من خططي للأشهر القادمة هي ان أمضي وقتاً أكثر في الغابات والجبال وقرب الانهار. ربما أريد بعض من الوقت بعيداً عن المدن والإرهاق الذي تسببه للروح.

 

***

من خلال هذه الاماكن أرى المجتمعات، الصراعات الخفيّة التي عاشتها وتعيشها، احتفالها بالحياة وطريقة تعاملها مع الموت. ارى أيضاً طريقة تعاملها مع الماوراء والمقدس، وكيفية قضاء الناس لليل الطويل، إضافة إلى الجانب البرّي لتلك البلدان.

بعد كتابتي لهذا النص، لاحظت أنّ الكثير من ما أقوم به، وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، مرتبط بما نشأت عليه في طفولتي.

طفولتنا تدمغ حياتنا وترسم مسارنا أحياناً دون وعي كامل لذلك، رغم أننا غالباً ما نعتقد بأننا أصبحنا بعيدين عن طفولتنا، ولكن مهما حاولنا وضع حدوداً ما بين الطفولة والبلوغ، فهناك تداخل ما بين المرحلتين، يربطهما خيط رفيع خفي.

هكذا، تصبح الطفولة التي نعيشها هي الموسيقى الخلفيّة التي ترقص على إيقاعها سنوات الرشد التي نعيشها حتى لحظاتنا الأخيرة.

 

المزيد من الصور على صفحة انستغرام

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X