كُتب في
أحرف

لائحة الكائنات المزعجة

ملخص المكتوب: لكلّ منّا لائحته، ولكنّ لا نعلن عن هذه اللوائح

لائحة الكائنات المزعجة صورة

كلّ منّا ينزعج على طريقته، ويختلف بيننا سبب الإنزعاج. منذ فترة ليست بقصيرة، بدأت بوضع لائحة بالكائنات والأشياء التي تزعجني كلّما صادفتها. لا أخفي عنكم بانّ هذه اللائحة طويلة، ومفتوحة، إذ أنّ الكثير من الكائنات ستنضم إليها في السنوات القادمة.

لنكن صريحين مع بعضنا البعض. لكلّ منّا لائحته، ولكنّ لا نعلن عن هذه اللوائح خوفاً من أن يتهمنا الآخرون بأنّنا منعزلين، أو غير محبين للناس، أو عنيفين، إلى ما هنالك من ترّهات جماعيّة ظهرت في العقد الأخير بين الناس. نحن بشر، وهذا ليس اكتشافاً أو تصريحاً خطيراً، ولكنّي أقصد بأنّنا كبشر نحمل في دواخلنا مشاعر المحبة والتعاطف، كما نحمل مشاعر البغض والإستياء. لسنا بشر ذات بُعُد إيجابي واحد كما تحاول بعض التيّارات الروحانيّة، الفكريّة، والثقافيّة الحديثة أن تخبرنا.

هنا جزء من هذه اللائحة، التي قد لا تتشاركونها بالكامل معي، ولكنّي على يقين بانّ العديد من عناصر هذه اللائحة هي على لائحتكم مسبقاً. لنبدأ:

– الذين يأتون من خارج السياق: أحياناً، تكون مع صديق(ة) تخوض نقاشاً حول مسألة ما. فجأة، يظهر من العدم أحدهم (نّ)، يدخل النقاش، ويُصبح جزءً منه دون أن يدعوه أي أحد. يُسكتك أنت وشريكك في النقاش، ليُعطي رأيه بثقة. وبعدها يرحل مع ابتسامة نصر على وجهه وكأنّه حقق إنجازاً بأنّه نوّركم وأضاف على حديثكم زوايا لم تكن لتخطر على بالكم لولاه. هذا الكائن نلتقيه كل يوم: في المكاتب، الشوارع، المقاهي، المصاعد، وحتى في الغرف الضيّقة.

– أصحاب المعرفة الشاملة والمطلقة: في السابق كان لديّ شعور بأنّ هؤلاء لا يتواجدون سوى في المدن. لاحقاً، اكتشفت بأنّهم متواجدون في كل الأماكن والأزمنة. هؤلاء لديهم معرفة بكل شيء. يُمكنهم أن يحدّثوك عن الذرّة، الفضاء، التغذية، السيارات، التاريخ، الجغرافيا، السياسة، الجيو استراتيجيا، الطب، الفلسفة، العلوم، الطناجر، الزراعة، العقارات، السوق المالي، الصناعات الحديثة، التكنولوجيا، التصوير، الإخراج، المؤامرات وكيف تُنسج في الدهاليز.. لذا، تراهم يُشاركون في كل النقاشات التي تدور حولهم. المشكلة معهم هي أنّ لا مكان للتواضع لديهم، وهُم دائماً على حق في كل ما يقولون، ولديهم القدرة على محاججة رائد فضاء عن خصائص القمر، ومناظرة أهم عالم ذرّة حول علم الذرّات. قدراتهم خارقة وليس لها حدود. تلك الكائنات تشكّل مصدر إزعاج لي، وأحاول قدر الإمكان تفادي الإلتقاء بها.

– مستخدمو المصاعد من أجل طابق واحد: على الأقل، ستلتقي أحد هؤلاء الذين يوقفون المصعد عند الطابق الأوّل ليصلوا إلى الطابق الأرضي. تلك الكائنات مزعجة لحد كبير. “ألم يكن بإمكانك أن تهز مؤخرتك قليلاً، وتنزل عشر درجات؟”. هذا ما يخطر في بالي عندما يدخلون المصعد. كنت في السابق، أكبت رغبتي بالتهكم عليهم، وقد بدأت مؤخراً بالحديث إليهم: “حسناً، أنت من هؤلاء!”. يسأل “من هؤلاء؟”. أرد مع ابتسامة صفراء “هؤلاء الكسالى الذين يستخدمون المصعد من أجل طابق واحد”.

– العابرون الذين لا ينظرون إلى الأمام: تلك الشريحة من الناس هي في ازدياد دائم. تمشي في الشارع دون أن تنظر أمامها وعادة ما تكون مذهولة بهواتفها الذكيّة، أم تنظر إلى واجهة المحلات أو إلى إحدى الإعلانات المعلّقة على جوانب الطرقات. يمشون كالـ Zombies دون أدنى فكرة حول ما يجري من حولهم، وكأنّهم مجرّد جثث عابرة ومزعجة. ليس لديهم مانع من أن يصطدموا بك أو حتى بالأشياء، ولكنّهم يفضّلون أن يبقوا نائمين على أن ينتبهوا إلى الطريق أمامهم. في الآونة الاخيرة، بدأت عمداً المشي في ذات المسار الذي يمشون به حتى اصطدم بهم، ربّما يشعرون بأنّه عليهم النظر إلى الامام.

– مستخدمو الهواتف الذكيّة أثناء المحادثة معهم: عندما ظهر البلاكبري بين الناس، وأصبح من البديهي اقتنائه، وضعت حينها قانوناً في المنزل الذي كنت أقطنه في إحدى ضواحي بيروت. بموجب هذا القانون كان على كل زائر يحمل بلاكبيري أو هاتف ذكي أن يقوم بإطفائه أو استخدامه بالحد الأدنى أثناء الزيارة. اليوم، أصبح من الطبيعي جداً أن يستخدم الناس هواتفهم الذكيّة أثناء جلوسهم مع اناس آخرين.

في الواقع، عندما التقي بأناس جدد يستخدمون الهاتف أثناء التحدث معهم، أوقف المحادثة في الحال، لأنّ الحديث معهم سيكون مضيعة للوقت، كون نسبة التركيز ستكون منخفضة جداً. أغلب الأصدقاء الذين اتسكّع معهم ليسوا من مهووسي الهواتف الذكيّة، وهذه نعمة من الآلهة الجميلة.

 – المستعجلون الدائمون: هؤلاء نلتقيهم عادة في المدن، فهي تعيش عليهم، وتتغذى من تشتتهم. إنّهم دائمو الإستعجال في كل شيء، وفي جميع الأوقات. أثناء تناولهم الطعام، احتسائهم القهوة، في العمل، في الطريق، وفي الأماكن الضيّقة. هذا الإستعجال هو طريقة/ سلوك (attitude) يحمله هؤلاء تجاه الحياة، وليس مجرّد استعجال طارىء إذ أنّنا جميعاً نكون أحياناً على عجلة من أمرنا خصوصاً عندما نتأخر على دوام العمل عند الصباح، أو عندما نعلق في زحمة السير أثناء ذهابنا للقاء الأصدقاء، ولكنّ هذا نوع آخر من الإستعجال.

لا أعرف حجم المتعة التي يحصل عليها جرّاء هذا السلوك، إذ أنّ الإستعجال كسلوك دائم يُفسد جميع المتع، ويُشتت الإنتباه عن التفاصيل الصغيرة التي عادة ما يكمن فيها الشيطان الجميل. بكل الأحوال، هُم وحدهم يتحمّلون مسؤوليّة سلوكيّاتهم. أحاول دائماً الإبتعاد عن تلك الفئة من الناس، وأفضّل أن لا ألتقي بهم، فهُم يُحاولون دائماً أن يبدون للآخرين بأنّهم دائمي الإنشغال، وبأنّ البارود الذي يريدون اكتشافه لا يستطيع الإنتظار، وعليهم الإستعجال قبل أن ينفجر في وجههم. طبعاً، أبدو لهؤلاء المستعجلين بأنّي بطيء جداً، وهذا ما قد يزعجهم أيضاً، وأعتقد بأنّي على لائحة الكثير من هؤلاء.

– العائلات الجديدة التي تتذمّر من أولادها: كلّما تقدمت في السن، تزداد في حياتك مناسباتين أساسيتين: المآتم والأعراس. وهذا أمر طبيعي، فالناس التي حولك ستكبر في السن، منها من يُكمل طريقه نحو المقبرة، وآخرون يسلكون درب “القفص الذهبي”. الموت هو ليس سوى فقدان للأحبة، يلزمنا وقت لنتعوّد عليه. في المقابل، يتزوّج الكثيرون، ويبدأون بالتكاثر فور زواجهم. وبعد ثلاثة سنوات على الأكثر، سينجبون الطفل(ة) الأول. المشكلة هنا ليست في إنجابهم هذا الطفل. فهذا يبقى خيارهم الحر والواعي وهدفهم الحياتي. ولكن ما يزعجني هو عندما يبدأ هؤلاء بالتذمّر من كونهم أصبحوا أباء وامهات. يأتون إليك ليُخبروك عن حياتهم المزرية والكئيبة عندما أصبح لديهم طفل. فهُم لم يعودوا قادرين على التحرّك بسهولة مع الطفل. وكل شيء يجب أن يُخطط بوقت مسبق. مشاريع السفر تتغيّر بسبب الطفل، وحتى السكن وظروفه. عندما أسمع ذلك منهم، ابتسم تلك الإبتسامة التي تعني بانّي غير قادر على المساعدة، وبأنّه لم يعد أمامهم سوى عيش تلك المأساة بكل ما فيهم من قوّة.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X