كُتب في
أحرف

ما وراء الدين والالحاد

ملخص المكتوب: الإلحاد ليس كافياً

ما وراء الدين والالحاد  صورة

كثيراً ما يُطرح عليّ سؤال ما إذا كنت ملحداً. جوابي يكون دائماً: “بالطبع لا أؤمن بالله وبأديانه ولكني لست ملحداً”. كثيرون لا يعرفون تحديداً قصدي من ذلك، وبعدها أقوم بشرح فكرتي من وراء ذلك.

لم أؤمن بالله يوماً. عندما كنت في العاشرة من عمري حاولت أن أؤمن به، ولكني لم أستطع. لاحقاً، بدأت أقترب من المعتقدات الروحانية القديمة، والتي تعتبر على أنها أديان وثنية.

عام 2004، بدأت اقترب من التيار الإلحادي أكثر، ومع مرور السنوات اعتنقت الإلحاد، حتى أن كثيرين اعتبروني بأني ملحد متطرف، وقد كنت ذلك بالفعل. قراءاتي حينها تركزت على الفلسفة الالحادية كما كتبت في منتديات كثيرة دفاعاً عن الإلحاد وفي مواقع لادينية، وعملت مع أحد الاصدقاء على خلق مساحة لادينية وملحدة للمدونين في العالم العربي. خضت وأصدقاء أحاديث مطوّلة مع مؤمنين، ومنهم من ترك إيمانه واعتنق الإلحاد. وهذا كان من الأشياء الجميلة.

كنت ملحداً، وفي الوقت عينه كنت دائماً ما اعتبر بأن هناك في هذا العالم ما هو وراء الدين وما بعد الإلحاد.

*

الإلحاد كضرورة فكرية

في مجتمعات مثل مجتمعاتنا العربية المتديّنة والمحافظة، يعتبر الإلحاد ضرورة فكرية للذين يريدون الخروج عن سيطرة السلطات الدينية والسياسية، والباحثين عن طريق خارج الأديان، الإسلام والمسيحية واليهودية، التي تمتلك أجوبة معلّبة ومسبقة عن كل شيء تقريباً.

الإلحاد يقدّم للشبان والشابات الأدوات الفكرية لتفكيك الرؤية الدينية، ويمنح طريقة تفكير نقدية تجعلهم قادرين على تجاوز الدين والشريعة. ويؤمّن الإلحاد مقاربة علميّة وتحليلية في فهم ظاهرة الدين والسياق التاريخي والثقافي والنفسي الذي خرجت منه. الكثير من المفكرين، الفلاسفة، العلماء والكوميديين يقدمون مواد مهمة وأدوات تساعد على تفكيك المنطق الديني.

المنظمات الدينية في المجتمعات الممتدة ما بين المحيط والخليج لا تحب فكرة انتشار الإلحاد بين الفئات الشبابية، خصوصاً في فترة ما بعد الانتفاضات العربية التي بدأت عام 2011 وهذا يدل على أن الإلحاد يشكل خطراً حقيقياً على سلطاتهم.

مذاهب السنة والشيعة يكرهون بعضهم بعضاً لأسباب سلطوية – تاريخية والقتال بينهم اشتد في العقد الأخير، ولكنهم دائماً ما يلتقون لمحاربة الإلحاد وانتشاره. هكذا، نرى قادة دينيين وسياسيين من السنة والشيعة يدعون أحياناً لوقف القتال فيما بينهم للتفرغ للحد من انتشار الإلحاد، ولكن لذلك مفاعيل عكسية أحياناً، إذ أن تضييق الخناق على الناس سيدفعهم أكثر للبحث عن تيارات فكرية خارج الدين.

*

ما بعد الإلحاد

كما ذكرت سابقاً، الإلحاد هو حاجة فكرية في مجتمعات ينتشر فيها التطرف الديني، ولكن هل الإلحاد كاف؟

المنطق الديني يتعامل مع الوجود على مبدأ ثنائية الله والشيطان، الإيمان والكفر، الخير والشر، الجنة والنار. هكذا يحدّ الدين من خوض الحياة ويضعها في اظار ضيّق لا أفق له.

خلال القرون الطويلة من مواجهة الإلحاد للدين، بدأ الإلحاد يحمل صفات عدوّه، ويرى الوجود على مبدأ الثنائية ما بين الإيمان والإلحاد، العلم والدين، المادة والروح. هذه الثنائية حدّت من قدرة التيار الإلحادي، بكل تشعباته، على الإجابة على جوانب مختلفة من الحياة. هكذا، علق الإلحاد في غرفة مغلقة مع الدين. لا أحد منهما قادر على الخروج منتصراً من الغرفة.

الحياة هي اللانهائية في الإحتمالات. لخوض تلك الإحتمالات، الغوص في الأبعاد المختلفة لهذا الوجود، ودخول عوالمه اللامتناهية، يجب تجاوز الثنائية التي تجعل الحياة تبدو صورة كاريكاتورية باهتة وجافّة. رؤية العالم على أنه ثنائيات مفصولة عن بعضها يعني البقاء في بُعُد واحد للحياة. الصراعات التي تحركنا لنرتقي بالوعي هي صراعات تحدث ما وراء الثنائيات وهو ما يلخص كتابات الفيلسوف والمعلم نيتشه الذي تركزت فلسفته على تجاوز الخير والشر، وتجاوز الإنسان لنفسه نحو “الإنسان الأعلى” (ubermensch).

الإلحاد يقدم لنا الأدوات اللازمة للخروج إلى أفق فكري جديد، ولكن في مرحلة ما، يصبح الإلحاد حالة فكرية يجب تجاوزها أيضاً لاكتشاف الأبعاد الأخرى لهذا الوجود، الأبعاد التي لا يمكن للإلحاد رؤيتها ام التعامل معها.

اختم بقول لنيتشه على لسان النبي زرادشت “إنني لن أؤمن إلا بإله يكون قادراً على الرقص”.

* * *

يمكن العودة إلى فهرس العدد الخامس وقراءة كافة مقالات العدد على الرابط التالي: ما بعد الإلحاد: نقاش يتجاوز ثنائيات التناقض

 

 

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X