كُتب في
أحرف

يوميات نيبالية

ملخص المكتوب: رحلتي إلى النيبال مع أحد الأصدقاء

يوميات نيبالية  صورة

 

لحظات ما بعد الغروب

من أينَ يأتي هؤلاء بكل تلك البساطة؟

غابت الشمس. الغرفة الضيّقة التي تطل على زقاق فرعي من الشارع غمرها الظلام الخفيف. اللحظات التالية بعد غياب آخر شعاع عن المكان وقاطنيه تحمل ليلاً خفيفاً، يتماثل لاسترخاء الحواس والروح.

كل تلك الخفّة اخذتني إلى ما وراء القمم البعيدة. هواء تلك القمم نستشعر وجوده على ملامحنا، واجسادنا. يحفر بردٌ مثلج.

على الضفّة الاخرى من الروح، جسد مملوء بالرغبات البسيطة. رغبات متتالية تستحوذ على الحواس المبهورة بالجاز الثقيل الذي بدأ ينبعث من الراديو.

***

الشمس هنا لديها قدرتها الغريبة على الشروق كل يوم من وراء الجبال الباردة. وأيضاً قدرتها على الهروب من وراء الغيوم لتعبر إلى الأزقّة الضيقة لتطفو على وجوه العابرين والغرباء.

الضوء هو لعبة المكان والخيط الذي يربط الناس بالشمس..والكون.

أهذا صوت المدينة قادم من النافذة أم أنّه يسكن في أسفل جمجمتي؟

رغم أنّ لحظات ما بعد الغروب تحمل حقيقة واضحة وليل بارد، اختلط كل شيء عليّ. تماهى كل شيء في الظلام: الأصوات، الرغبات، الرؤى، الجحيم، ظلال المدينة، وخدر الدماغ.

هو ليس غياب! هو انعتاق كثيف الغصون، ومتجذر في الروح.

 
***
“الحياة في مكان آخر”. يقول كونديرا. بالنسبة لهؤلاء الحياة في مكان آخر. هذا ربّما ما يفسّر تلك البساطة والسعادة التي تختزنها ارواحهم.

يبدو أنّ كونديرا حمل بعض من تلك الحكمة القديمة.

 ***

هنا، الحضارة الصناعيّة موجودة بحدها الأدنى. لا زخرفات ومساحيق للحياة. لم تستطع المدنيّة ان تقتل روح الحياة في قلوب قاطني المكان.

البدائيّة مفتاح السعادة؟

***

البلوز يشعل النار البعيدة في المخيّلة. تتراقص النار الدافئة على الإيقاع، وتلامس وجوه المتعبين والباحثين عن اللغز الأبدي.

الحياة تتجلى في ملامح الجميع بالتساوي. المكان يُصبح أكثر جاذبيّة وأقل ضجيجاً.

وحدها الموسيقى اسكتت الجميع في اللحظات الأولى لغياب الشمس.

قدح واحد من النبيذ لا يكفي لهذا الليل الذي يبدو بأنّه لن ينتهي قريباً. يتمدد ضوء القمر ويتبدد في ابتسامات الناس.

 

***

IMG_38500

وسط الغابة، أعلى القمة، داخل المعبد، يبدو الموت هامشيٌ، هزيلٌ، وضئيل.

يتّسع المعبد لضوء الشمس والأرواح الملوّنة، وهذا كاف لأعرف بأنّ الحياة تكون أحياناً في مكان آخر.

كان كاف لأفرح.. لأعبر إلى الجانب الآخر من الانعتاق.

***

جلسنا في ذلك المقهى البسيط والقديم حوالي شمعة ونصف.

” قياس جميل للوقت!”. قال أحدهم.

***

لست بحاجة إلى بذل أي جهد لتكون في البريّة، الجبل أو المعبد القديم.

لست بحاجة لأي شيء. الوجود هنا هو الوجود بحد ذاته.

التماهي يُبدد الحدود ما بينك وبين المكان.

***

عود على بدء. كل شيء يختلط من جديد.

***

كل شيء بطيء في المكان. وكذلك الوقت.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X