كُتب في
أحرف

“بالنسبة لبكرا شو؟”: مِلء الفراغ البصري

ملخص المكتوب: المسرحيّة التي تخيلناها مراراً وتكراراً أصبحت واقعاً بصريّاً

“بالنسبة لبكرا شو؟”: مِلء الفراغ البصري صورة

Rate This

 

موسيقى زياد الرحباني كانت دائماً في المنزل، وكذلك مسرحياته. عندما كنت في الرابعة عشر من عمري، بدأت استمع لمسرحياته عن كثب. في حينها كنّا، أنا واصدقائي، نلتقي بعد المدرسة، لنستمع إلى مسرحياته، وأحياناً كنّا ننتظر ليلاً، عرض المسرحيّة على صوت الشعب الذي بقي يعرض التسجيلات الصوتيّة.

مسرحية بعد الأخرى، حفظناهم عن ظهر قلب، وأصبحت عبارات من المسرحيات جزء من أحاديثنا ونكاتنا اليوميّة، عدا عن البُعُد السياسي والطبقي لمسرحيّات الرحباني التي شكّلت جزء من الوعي لعدد كبير من أبناء جيل الثمانينات والتسعينات. كنّا نستمع إلى المسرحيّات، نتخيّل الشخصيّات، ملامحهم، حركاتهم، إضافة إلى تخيّل عناصر المشهد المسرحي، وهذا ما يعني وجود نسخات متخيّلة عن المسرحيّة بعدد مستمعيها.

حينها، لطالما  كنّا نفترض بأنّه لا بدّ لهذه المسرحيّات أن تكون مصوّرة، بشكل أو بآخر، وبأنّ زياد سيقوم يوماً ما بوضعها في متناول الجميع. كنّا بين الحين والآخر نسمع “إشاعات” تؤكد صحّة هذه الفرضيّة.

وبعد أكثر من عقد ونصف على فرضيّاتنا، تحوّلت مسرحية “بالنسبة لبكرا شو؟” التي عرضت للمرّة الأولى عام 1978 إلى شريط سينمائي في متناول الجميع.

عمليّة تحويل المسرحيّة إلى شريط سينمائي مرتّ بمراحل طويلة، بدأت عام 2012، عندما وافق الرحباني على تحويل اثنتين من مسرحياته (“بالنسبة لبكرا شو؟” و”فيلم أميركي طويل”) إلى شرائط سينمائيّة. وبعدها تطلب الأمر عامين ونصف لمعالجة الصوت وترميم الأشرطة التي صوّرت في الأساس من أجل تقييم أداء الممثلين.

وهذا ما لم يأخذه بعين الاعتبار الكثير من منتقدي الفيلم/ المسرحية، خصوصاً فيما يتعلّق بالتصوير وردائة الصورة أحياناً، متناسين أنّ التصوير تم عام 1978، وليس في الألفيّة الثالثة حيث التقنيات السينمائيّة متطورة جداً. يبدو أنّ امتلاكنا كاميرات متطورة على هواتفنا الخاصة جعلنا ننسى أنّ تقنيّات التصوير عام 1978 كانت متواضعة، إضافة إلى أنّ المادة التصويريّة الأصليّة لم تكن من أجل العرض التجاري حينها.

هكذا المسرحيّة التي تخيلناها مراراً وتكراراً أصبحت واقعاً بصريّاً مساعداً، كما أنّ العديد من السيناريوهات والمشاهد التي كنّا نسمعها ولا نستطيع أن نضعها في سياقها المسرحي، أصبح لها موقعها في المشهد البصري. كما تكشف المسرحية / الفيلم عن قدرة الرحباني الذي كان في سن الـ 22 حينها، على خلق مشهديّات متكاملة ومتناسقة في الحركة، الإيقاع والسيناريو.

وفي الشهر الأوّل (يناير/  كانون الثاني 2016) لعرض المسرحية في صالات السينما في بيروت، توافد أكثر من 61 ألف شخص لمشاهدتها، وهذا إن دلّ على شيء، فهو يُشير على أنّ لهذه المسرحيّة موقع مهم في الثقافة الشعبيّة اللبنانيّة وبين أجيال مختلفة شكّلت مسرحيات زياد جزءً من وعيها الطبقي والسياسي على حدّ سواء.

أما أهميّة الشريط السينمائي فهو كونه سيملأ فراغاً بصريّاً في الذاكرة الجمعيّة عن حقبة مهمة في التاريخ الحديث للبلاد. عرضت عام 1978، وهي الحقبة الواقعة ما بين المرحلة الاولى من الحرب الاهليّة (حرب السنتين: 1975- 1976) وتخللها اجتياح الجيش السوري للبنان، والحقبة الثانية التي بدأت عام 1978 واجتياح الجيش الإسرائيلي للبلاد.

هكذا، جاءت هذه المسرحيّة لتتناول تفاصيل حياة إحدى الأسر المهمّشة (اسرة زكريا وزوجته ثريا وأطفاله)، وفصل من فصول الصراع الطبقي في ظل الحروب الطائفيّة واجتياح الجيوش المختلفة للبلاد.

“بالنسبة لبكرا شو؟”، السؤال الذي طرح عام 1978، يُمكن ان يُطرح اليوم (2016) من دون أن يتغيّر أي شيء في منطقة تزداد صراعاتها وإنقساماتها الطبقيّة، والدينيّة والإثنيّة.

شير واستشير ولا تعود شيرك عالكسل
كتابات قريبة يوماً ما
X